أخبار

القرارات الرسمية بين حمة الاستعراض والحاجة لقرارات مدروسة وواضحة ومتدرجة #عاجل

القرارات الرسمية بين حمة الاستعراض والحاجة لقرارات مدروسة وواضحة ومتدرجة #عاجل


كتب – زياد فرحان المجالي – عمّان

ليست كل الأوطان التي يخيّم عليها الصمت بخير؛ فهناك صمت يولد من الرضا والاطمئنان، وهناك صمت آخر تصنعه قسوة الحياة، وتراكم الخيبات، والإحساس بأن الكلام لم يعد قادرًا على تغيير شيء.

وما يلمسه كل من يقترب من الناس اليوم أن كثيرين لم يعودوا يرفعون أصواتهم كما كانوا يفعلون في السابق، ليس لأن الأعباء خفّت، ولا لأن همومهم تراجعت، بل لأنهم استنفدوا الكلام، وأتعبهم الانتظار، وباتوا يترقبون فعلًا يسبق الوعد، ونتيجة تسبق الخطاب.

في الأسواق حكايات لا تظهر في التقارير الرسمية، وفي البيوت أحاديث لا تصل إلى المنصات. هناك من يعيد ترتيب أولوياته كل شهر، ومن يؤجل احتياجات أسرته لأن الدخل لم يعد يواكب متطلبات الحياة، ومن يحسب ثمن كل خطوة قبل أن يقدم عليها. وأسر كثيرة باتت تدير حياتها بمنطق الضرورة لا الاختيار، وتحاول أن تحافظ على كرامتها في ظل واقع اقتصادي يزداد صعوبة.

هذه ليست دعوة إلى التشاؤم، ولا مبالغة في تصوير المشهد، بل قراءة لواقع يعيشه كثير من الناس، ويستحق أن يُرى كما هو، بعيدًا عن لغة التجميل أو التهوين.

ولعل أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة هو أن يشعر المواطن بأن شكواه لم تعد تغيّر شيئًا، وأن صوته لا يصل، وأن وجعه يتحول مع الوقت إلى شأن شخصي لا يسمعه أحد. فعندما يفقد الإنسان ثقته بجدوى الكلام، يختار الصمت، والصمت هنا ليس علامة رضا، بل رسالة ثقيلة تحتاج إلى عين مسؤولة تقرأها بوعي.

لا يحتاج المسؤول إلى مزيد من التقارير ليعرف ما يجري في الشارع؛ فالأرقام تشرح جزءًا من الصورة، لكن وجوه الناس تكمل الجزء الأهم. والجداول قد تعرض نسب النمو، ومؤشرات الإنفاق، وحجم المشروعات، لكنها لا تكشف دائمًا ما إذا كان المواطن قد شعر فعلًا بتحسن في حياته.

فالقرارات الكبرى لا تُقاس فقط بما تحققه في الأوراق والإحصاءات، بل بما تتركه من أثر في بيت محدود الدخل، وفي قدرة شاب على العثور على فرصة عمل، وفي شعور متقاعد بأن سنوات خدمته لم تذهب سدى، وفي اطمئنان أسرة إلى أن الغد لن يكون أكثر قسوة من اليوم.

ويقف رئيس الحكومة اليوم أمام اختبار حقيقي؛ فالتحديات الاقتصادية والإقليمية متشابكة، ولا أحد ينكر أن الأردن يتحمل أعباء ثقيلة فرضتها أزمات متلاحقة. لكن المواطن لا يحاسب الحكومة على وجود التحديات بقدر ما يحاسبها على طريقة إدارتها، وعلى مقدار ما يشعر بأنها تدرك حجم ما يتحمله.

يريد المواطن أن يرى من يشاركه حمل الأعباء، لا من يطالبه وحده بالمزيد من الصبر. فالناس لا ترفض التضحية حين تكون عادلة، ولا تعترض على القرارات الصعبة حين ترى أن الجميع يخضع للمعيار ذاته، وأن الكلفة لا تُلقى في كل مرة على الفئات نفسها.

والمطلوب اليوم ليس قرارات استعراضية، ولا وعودًا ترفع سقف التوقعات ثم تترك المواطن لواقعه، بل خطوات مدروسة وواضحة ومتدرجة، يلمس الناس أثرها في معيشتهم وخدماتهم وفرص أبنائهم.

فالإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح الكفاءة معيارًا، والعدالة نهجًا، والمال العام أمانة، والمحاسبة قاعدة لا استثناء. ويبدأ أيضًا عندما يكون المسؤول حاضرًا بين الناس، يسمع أكثر مما يتحدث، ويشرح أكثر مما يبرر، ويعترف بالمشكلة قبل أن يعلن الانتصار عليها.

فالناس لا تطلب حكومة معصومة من الخطأ، لكنها لم تعد تحتمل أن يتحول الخطأ إلى عادة، والتبرير إلى سياسة، والانتظار إلى قدر يومي. وهي لا تنتظر حلولًا سحرية، بل إدارة صادقة تعترف بالتحديات، وتصحح المسار عند الحاجة، وتؤمن بأن ثقة المواطن لا تُبنى بالشعارات الكبيرة، بل بالأفعال الصغيرة المتراكمة.

وفي كل مرحلة، تكون أمام الحكومات فرصة لتكتب اسمها في ذاكرة الوطن. فبعض الحكومات تُذكر لأنها أدارت الوقت، وبعضها يُذكر لأنها صنعت فرقًا. والفرق لا يصنعه عدد الاجتماعات، ولا كثرة التصريحات، بل تصنعه القرارات التي تلامس حياة الناس، وتخفف عنهم، وتعيد إليهم الإحساس بأن الدولة تراهم وتسمعهم.

الأردنيون لا يطلبون المستحيل، وهم أكثر قدرة على الصبر عندما يشعرون بالعدل، وأكثر استعدادًا لتحمل الأعباء عندما يلمسون أن الجميع يتحملها، وأن معيار الفرصة هو الكفاءة لا الواسطة، وأن القانون يُطبق على الجميع دون استثناء.

ومع ذلك، فإن الصبر ليس موردًا لا ينفد، والثقة ليست رصيدًا مضمونًا إلى الأبد. فهي تُبنى ببطء، لكنها قد تتآكل سريعًا عندما تطول فترة الانتظار، وتتسع الفجوة بين ما يُقال وما يعيشه الناس.

ما زال الوقت متاحًا لتعزيز هذه الثقة، وما زالت الفرصة قائمة أمام الحكومة لتصنع أثرًا حقيقيًا. فالأوطان لا تُبنى باليأس، ولا تستقيم بالمجاملة، وإنما بالحوار الصادق، والإدارة الرشيدة، والقرار الشجاع، والعمل الذي يسبق الكلام.

وسيظل التاريخ لا يتذكر كثرة الوعود، بل يتذكر من خفف عن الناس، وأنصفهم، وأعاد إليهم الأمل. وهناك فقط، لا في الخطب ولا في العناوين، يبدأ التغيير الحقيقي.



Source link

السابق
وزير الخارجية ونظيره التركي يبحثان سبل إنهاء التصعيد في المنطقة
التالي
وزير الخارجية ونظيره الإماراتي يؤكدان ضرورة تنفيذ “اتفاق إيران”