كشفت دراسات علمية حديثة عن تداعيات بيئية مقلقة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي التي باتت تساهم في رفع درجات الحرارة بشكل مباشر وملموس في المناطق المحيطة بها عبر ظاهرة تعرف بالجزر الحرارية الرقمية.
واظهرت الابحاث التي شاركت فيها جامعة كامبريدج ان هذه المراكز الضخمة لا تكتفي باستهلاك الطاقة فحسب بل تنشر حرارة تتراوح بين 0.3 و9.1 درجة مئوية يمكن رصد تاثيرها على مسافات بعيدة.
واكدت البيانات ان هذه الظاهرة باتت تشكل ضغطا اضافيا على البيئة في ظل التوسع المتسارع لعمالقة التكنولوجيا في بناء منشآت عملاقة تتطلب تبريدا مستمرا واستهلاكا هائلا للموارد الطبيعية والمياه حول العالم.
الارض تسخن حول الالآت العملاقة
وبينت الدراسة ان المواقع التي تضم اكثر من 11 الف مركز بيانات شهدت ارتفاعا ملحوظا في حرارة سطح الارض فور تشغيل هذه المنشآت مقارنة بالمناطق المجاورة لها التي لم تتاثر بنفس المعدلات.
واوضحت النتائج ان اكثر من 340 مليون نسمة يعيشون حاليا في محيط هذه المراكز يتعرضون لتاثيرات مباشرة جراء هذا الاحترار المحلي الذي يضاف الى مشكلات التغير المناخي العالمية التي يعاني منها كوكبنا.
واشار العلماء الى ان الانبعاثات الكربونية الناتجة عن تشغيل هذه الخوادم على مدار الساعة تساهم في تعزيز ظاهرة الاحتباس الحراري مما يجعل التقنية جزءا من الازمة البيئية بدلا من ان تكون حلا لها.
لماذا تولد مراكز البيانات كل هذه الحرارة؟
وكشفت التحليلات ان طبيعة عمل نماذج الذكاء الاصطناعي التي تتطلب معالجة مستمرة للبيانات تجعل الخوادم تعمل بكامل طاقتها دون توقف مما يؤدي الى انبعاث كميات ضخمة من الحرارة الناتجة عن المعالجة الكهربائية.
واضافت التقارير ان المركز الواحد قد يضم الاف الخوادم التي تستهلك طاقة كهربائية تعادل احتياجات آلاف المنازل السكنية مما يضع ضغوطا هائلة على شبكات الطاقة المحلية ويزيد من التلوث الناتج عن توليد الكهرباء.
واوضحت البيانات ان طبيعة التفاعل اللحظي بين المستخدم والنموذج الذكي تفرض استجابة سريعة من الخوادم التي تسخن مكوناتها الداخلية بشكل كبير مما يتطلب انظمة تبريد ضخمة تستهلك بدورها كميات مياه وموارد طاقة.
خطر اكبر من مجرد الحرارة
وشددت الامم المتحدة على ان الخطر يتجاوز الحرارة ليصل الى استنزاف المياه حيث يتوقع ان يصل استهلاك هذه المراكز للمياه الى مستويات تعادل احتياجات 1.3 مليار انسان بحلول نهاية العقد الحالي.
واكد انطونيو غوتيريش الامين العام للامم المتحدة ان الذكاء الاصطناعي اصبح جائعا للموارد الطبيعية محذرا من التوسع في مساحات البناء التي قد تتجاوز 14 الف كيلومتر مربع وهو ما يهدد التوازن البيئي.
وكشفت التقارير ايضا ان معظم مراكز البيانات الحالية تقع في مناطق معرضة لمخاطر طبيعية مثل الفيضانات والحرائق مما يجعل البنية التحتية الرقمية العالمية عرضة للانهيار في حال تفاقمت الازمات المناخية التي ساهمت هي في صنعها.
المستخدم عامل اساسي في الاستهلاك
وبينت الاحصائيات ان المستخدم العادي يتحمل جزءا من المسؤولية حيث ان مليارات الاوامر اليومية التي يتم ارسالها لنماذج الذكاء الاصطناعي هي المحرك الرئيسي لاستهلاك الطاقة والحرارة في هذه المراكز العملاقة حول العالم.
واضافت الدراسات ان توليد صورة واحدة عبر الذكاء الاصطناعي يستهلك طاقة تعادل اكثر من الف امر نصي عادي مما يعني ان سلوك المستخدم الرقمي له بصمة بيئية مباشرة تزداد مع كل عملية بحث.
واكدت البيانات ان حجم الطلب العالمي على خدمات الفيديو والصوت المدعومة بالذكاء الاصطناعي يرفع من وتيرة استهلاك الخوادم للطاقة مما يسرع من وتيرة الاحترار المحلي حول مراكز البيانات المنتشرة في مختلف القارات.
هل من حلول ممكنة للمستقبل؟
وكشفت المبادرات الدولية عن ضرورة تبني حلول مبتكرة مثل اعادة تدوير الحرارة المهدورة في التدفئة او بناء مراكز البيانات في مناطق قطبية باردة لتقليل الحاجة الى انظمة التبريد المكثفة والمستهلكة للموارد.
واضافت التقارير ان التوجه نحو الطاقة النووية كبديل نظيف قد يقلل من الانبعاثات الكربونية ولكن يظل التحدي قائما في كيفية الموازنة بين الحاجة للتقدم التقني وبين الحفاظ على سلامة موارد كوكبنا.
وختاما يبقى السؤال مطروحا حول ما اذا كانت الرفاهية الرقمية التي يوفرها الذكاء الاصطناعي تستحق المخاطرة بمستقبل البيئة والموارد الطبيعية التي تعتمد عليها البشرية في بقائها على المدى الطويل.
