أخبار

جو 24 : من يعبث بهيبة الرمز!

جو 24 : من يعبث بهيبة الرمز!


بديهيًا؛ يتمتع جلالة الملك في الأردن برمزية وطنية وسيادية تتخطى بمراحل توصيفات الموقع السياسي والدستوري، وتطورت درجتها عبر مسيرة الدولة الأردنية لتكتسب مكانتها الخاصة جداً في الوجدان الوطني للأردنيين.

هذه الرمزية التي ارتقت قيمتها المعنوية بصفة تراكمية لتصبح مرجعية جامعة، ورمز للهوية الوطنية الأردنية، تفرض قدراً عالياً من المسؤولية والوعي في التعامل معها والتعبير عنها بما يليق بها، سواء في الخطاب الإعلامي أو في “الولاء الاحتفائي”، من خلال وسائل الإعلام ومنصات التواصل الإجتماعي، وحتى من خلال المواد الدعائية والجداريات على اختلافها.

يقود الحديث في هذا السياق، إلى حتمية إعادة النظر في الطريقة والسلوكيات التي يتم التعامل بها مع الصور الملكية في الفضاء العام. فإن كنا لا نختلف على مصداقية مشاعر المحبة والولاء للعرش الهاشمي باعتباره ثالث ثلاثية الثوابت الوطنية الأردنية الراسخة، إلا أن التعبير عن تلك المشاعر وسط ما نشهده من عشوائية بصرية وإفراط في استخدام الصور الملكية دون ضوابط تحفظ هيبة الرمزية السيادية والقيمة المعنوية لما تمثله تلك الصور، يدفعنا لوقفة طويلة ومراجعة عاجلة لتجنّب أن يتحول الرمز من مصدر للإلهام إلى عنصر اعتيادي في المشهد البصري اليومي بدلاً من أن يبقى محافظاً على استثنائيته ومكانته الخاصة.

فالرموز الوطنية وعلى رأسها “جلالة الملك” تستمد قوتها من مكانتها المعنوية، وقدرتها على التحليق فوق التفاصيل اليومية والتجاذبات العابرة وملء الفراغات وحيزات المكان، والأهم أن الوفاء لمشاعر الولاء يتوجب أن يدفع بأصحابها للتعامل الأمثل للصور الملكية عبر توظيفها في المواقع والمناسبات التي تليق بدلالاتها الوطنية، لا إلى تحويلها لمادة دعائية أو عنصراً فنياً يجد مكانته التلقائية على أي منشور أو لوحة أو إعلان أو جدارية وبمبالغة تحولها إلى عنصر استهلاكي يستحوذ على المشهد البصري لمؤسساتنا وشوارعنا ومركباتنا وحدائقنا وساحاتنا ومدارسنا وجامعتنا وحيطاننا، ويفتقد بمرور الوقت جزءاً من تأثيره الرمزي الذي نجلّ ونقدّر.

في عام 1995م أمر المغفور له الملك الحسين بن طلال بإزالة تمثال برونزي له كانت أمانة عمّان وراء تنفيذه احتفاءً بعيد ميلاده الستين، بنفس الليلة التي تم وضعه به في ميدان الدوار الرابع. وكما تنقل الصحفية رندة حبيب في كتابها “الحسين أباً وابناً” فإن الحسين أعرب عن نفوره من فكرة التمثال وما توحي به من محاولة لتوثينه سياسياً على غرار ما فعله زعماء بعض دول الجوار والأنظمة الديكتاتورية الذين توسعوا في تشييد التماثيل الخاصة بهم.

هذه الحادثة تكشف بشكل جلي عن فلسفة الحكم للهاشميين القائمة على انتزاع المحبة والولاء من القلوب، بدلاً من فرضها قسراً كحال الأنظمة الشمولية البالية، التي تجثوا صور زعمائها وتماثيلهم بل وأحاديثهم على أنفاس شعوبهم ومدنهم وأزقّتهم وعقول أجنّتهم دون أثر يرتجى، أو مشاعر تحيا، وهي نظرة حصيفة تؤكد على أن قوة الرموز لا تكمن في كثرتها وتكاثرها، بل بقدرتها على الاحتفاظ بمعناها.

فالاحترام والتقدير لا يعني الإغراق في الاستخدام، والولاء لا يُقاس بعدد الصور ولا بحجمها، والرموز الوطنية تكتسب هيبتها من وقار حضورها لا بكثافته، ولا يصنعها التكرار بل تصنعها المكانة، ولا تحتاج أن تكون في كل مكان، بل أن تبقى كبيرة أينما حضرت، فحماية وصون معنى الرمز هو الشرط الأول لاحترام الرمز نفسه، وذلك لا يتأتى إلا عبر الانتقال في سلوكياتنا من ثقافة “الكثرة” إلى ثقافة “القيمة”، ومن منطق “التكرار” إلى منطق “المكانة”، ومن عبثية التعبير إلى عمق الفكرة، ومن عشوائية المظهر إلى إناقة الحضور.

قالها عبدالله الثاني ابن الحسين ويرددها الأردنيون بصوت واحد: “بيننا عهد يُحفظ في الصدور، الله أعلم به من كل قول”!



Source link

السابق
تفعيل كاميرات مراقبة لمخالفة ملقي النفايات بشكل عشوائي
التالي
سفينة بحر البلطيق الغارقة تكشف اسرار الملاحة القديمة وبوصلة تعمل بعد قرون