ليست كل الكتب التي تُكتب عن القادة مجرد سير شخصية، وليست كل السِّيَر محاولة لتسجيل الوقائع من الميلاد إلى الحكم. بعض الكتب تتحول، بحكم موضوعها وتوقيتها، إلى شهادة سياسية تكشف كيف يرى العالم قائدًا وبلدًا ودورًا إقليميًا. من هذه الزاوية يمكن قراءة كتاب الصحفي والباحث الأميركي آرون ماغيد The Most American King: Abdullah of Jordan، الصادر عن دار Universal Publishers عام 2025، بوصفه واحدًا من الكتب الإنجليزية المهمة التي تناولت سيرة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، بعد أكثر من ربع قرن على توليه سلطاته الدستورية وقيادته للأردن في واحدة من أعقد المراحل الإقليمية.
يقع الكتاب في أكثر من مئتي صفحة، ويحمل رقمًا دوليًا للنشر ISBN-13: 9781599427782، ويندرج ضمن حقول السيرة السياسية والتاريخ والعلوم السياسية. وقد نُشر في عام 2025، وتعرضه عدة منصات عالمية للكتب، مع اختلافات بسيطة في تواريخ الإدراج التجاري بين بعض المواقع، وهو أمر مألوف في حركة النشر والتوزيع الدولية. أما عدد النسخ المطبوعة، فلم تُعلن دار النشر، بحسب المتاح، رقمًا محددًا له، ولذلك يبقى من الأدق القول إن الكتاب متاح تجاريًا من دون الجزم بحجم الطبعة أو عدد النسخ.
أهمية الكتاب لا تأتي من عنوانه وحده، رغم أن العنوان لافت: “الملك الأكثر أميركية”. هذا العنوان، عند القراءة الهادئة، لا ينتقص من أردنية الملك ولا من هويته الهاشمية، بل يشير إلى قدرة جلالته على فهم العقل السياسي الأميركي ومخاطبته بلغته، مع بقائه ملكًا عربيًا هاشميًا يقود دولة ذات رسالة تاريخية وموقع حساس. فالملك عبد الله الثاني نشأ في بيئة متعددة الثقافات، ودرس في مؤسسات غربية، وتلقى تدريبًا عسكريًا رفيعًا، ثم عاد إلى الأردن ابنًا للمؤسسة العسكرية الأردنية، ووريثًا لنهج هاشمي عميق في الحكم والقيادة وخدمة الأمة.
من هنا يصبح العنوان، في جوهره، إشارة إلى ميزة لا إلى مأخذ. فأن يكون الملك قادرًا على فهم واشنطن لا يعني أنه بعيد عن عمّان، بل يعني أنه امتلك أداة إضافية لحماية الأردن، وتثبيت مصالحه، وإيصال صوته إلى مراكز القرار الكبرى. وفي منطقة لا ترحم الضعفاء، ولا تمنح الدول الصغيرة ترف العزلة، استطاع جلالة الملك أن يجعل من الأردن دولة حاضرة في عقل العالم، لا رقمًا هامشيًا على الخريطة.
آرون ماغيد ليس كاتبًا بعيدًا عن الأردن. فقد عمل صحفيًا مقيمًا في عمّان، وكتب عن الشأن الأردني سنوات، واعتمد في هذا الكتاب على أكثر من مئة مقابلة مع شخصيات أردنية وأميركية وغربية، من بينها مسؤولون سابقون، وزملاء للملك، وشخصيات سياسية وأمنية، إضافة إلى بحث في أرشيفات ومصادر متعددة. وهذا يمنح الكتاب قيمة توثيقية، لأنه لا يقوم على الانطباع السريع، بل على محاولة بناء صورة واسعة عن شخصية الملك ومسيرته وعلاقاته الدولية.
ينقسم الكتاب إلى سبعة عشر فصلًا، تبدأ من طفولة الأمير عبد الله وتعليمه في بريطانيا وأميركا، ثم تجربته العسكرية في ساندهيرست والقوات المسلحة الأردنية، وصولًا إلى لحظة انتقال العرش بعد رحيل جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه. بعد ذلك ينتقل المؤلف إلى السنوات الأولى من حكم الملك عبد الله الثاني، ثم علاقته الوثيقة بالولايات المتحدة، وعلاقته بالملفات الإقليمية الكبرى: فلسطين، سوريا، العراق، إيران، الإرهاب، والربيع العربي، قبل أن يتناول محطات داخلية وسياسية، ثم يختم بمقارنة بين الملك عبد الله ووالده الملك الحسين، وبقراءة في إرث الملك بعد أكثر من خمسة وعشرين عامًا في الحكم.
ما يميز هذا الكتاب أنه لا يقدّم جلالة الملك عبد الله الثاني بوصفه قائدًا معزولًا عن محيطه، بل بوصفه قائدًا تشكلت تجربته وسط عواصف متتالية. فمنذ عام 1999، لم يعرف الأردن مرحلة إقليمية سهلة: الانتفاضة الفلسطينية الثانية، غزو العراق، صعود الإرهاب، تفجيرات عمّان، الأزمة السورية، موجات اللجوء، تنظيم داعش، الربيع العربي، أزمات القدس والضفة الغربية، ثم حرب غزة وما بعدها. ومع ذلك بقي الأردن واقفًا، متماسكًا، حاضرًا، وصاحب دور.
هنا تظهر الصورة الأساسية التي يمنحها الكتاب للملك: قائد استطاع أن يحمي الدولة في زمن الانهيارات. وهذه ليست مسألة عادية في منطقة سقطت فيها أنظمة، وتفككت فيها جيوش، وتحولت دول عريقة إلى ساحات صراع. لقد عبر الأردن، بقيادة جلالة الملك، ربع قرن من النار الإقليمية من دون أن يفقد توازنه أو رسالته أو موقعه. وهذا بحد ذاته إنجاز تاريخي لا يجوز التقليل من قيمته.
الكتاب يبرز كذلك أن قوة الأردن لا تقاس بحجمه الجغرافي أو موارده الطبيعية، بل بمكانته السياسية، وحكمة قيادته، وعمق تحالفاته، وشرعية دوره. فالأردن، في عهد الملك عبد الله الثاني، لم يكن دولة تنتظر الأحداث، بل دولة تحاول دائمًا منع الأسوأ، وتخفيف آثار الأزمات، والحفاظ على الاستقرار، والدفاع عن القضية الفلسطينية، وحماية القدس، وصون الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية.
ومن أكثر نقاط الكتاب أهمية أنه يشرح العلاقة الأردنية ـ الأميركية بوصفها علاقة استراتيجية خدمت مصالح الأردن العليا. فالولايات المتحدة، في الحساب الأردني، ليست مجرد حليف بعيد، بل قوة دولية مركزية لا يمكن تجاهلها في ملفات المساعدات، الأمن، الاقتصاد، فلسطين، العراق، سوريا، ومكافحة الإرهاب. وقد امتلك جلالة الملك قدرة خاصة على إدارة هذه العلاقة بما يحفظ للأردن موقعه وقراره ومصالحه.
والأهم أن الملك، كما يظهر من قراءة الكتاب، لم يجعل العلاقة مع واشنطن بديلًا عن الدور العربي للأردن، ولا عن مركزية فلسطين والقدس في الوجدان الهاشمي. بل إن جلالته استخدم قوة العلاقة الدولية للدفاع عن القضايا العربية، وفي مقدمتها حل الدولتين، ورفض تهجير الفلسطينيين، وحماية المقدسات، وتأكيد أن السلام العادل لا يمكن أن يقوم على تجاهل الحقوق الفلسطينية أو تجاوز الأردن.
ويحظى الملف الفلسطيني بمكانة واضحة في الكتاب، خصوصًا من خلال رؤية الملك بأن السلام الحقيقي لا يكون صفقة ضيقة أو ترتيبًا أمنيًا مؤقتًا، بل مدخلًا لعلاقة أوسع بين إسرائيل والعالمين العربي والإسلامي، إذا تحقق العدل للفلسطينيين. ومن هنا تأتي أهمية فكرة “الدول السبع والخمسين”، في إشارة إلى أن حل القضية الفلسطينية لا يفتح بابًا مع دولة واحدة، بل مع فضاء عربي وإسلامي واسع. هذه الرؤية تعكس إدراكًا ملكيًا عميقًا بأن فلسطين ليست ملفًا خارجيًا بالنسبة للأردن، بل قضية مرتبطة بأمنه الوطني، وهويته السياسية، ودوره التاريخي.
وفي الجانب الأمني، يبرز الكتاب دور الأردن في مكافحة الإرهاب، لا بوصفه تابعًا لتحالفات كبرى، بل بوصفه دولة دفعت ثمنًا مباشرًا من أمنها ودم أبنائها. وقد شكّلت حادثة الشهيد الطيار معاذ الكساسبة، رحمه الله، لحظة وطنية جامعة، أظهرت صلابة الدولة الأردنية وحزم قيادتها في مواجهة قوى الظلام. فالملك في هذه القراءة ليس قائدًا سياسيًا فقط، بل قائد دولة تعرف أن الأمن ليس شعارًا، بل شرط أساسي لبقاء المجتمع واستقرار المستقبل.
كما يتناول الكتاب علاقة الملك بالملفات الإقليمية الكبرى، ومنها العراق وسوريا وإيران. وفي هذه الملفات يظهر جلالة الملك بوصفه صاحب قراءة مبكرة للمخاطر. فقد حذر من نتائج الفوضى في العراق، ونبّه إلى تمدد النفوذ الإيراني، وتعامل مع الأزمة السورية بحذر شديد، لأن الأردن لم يكن يملك ترف المغامرة. كان المطلوب دائمًا هو حماية الحدود، واستيعاب موجات اللجوء، ومنع انتقال النار إلى الداخل، مع الحفاظ على موقف سياسي متزن.
أما المقارنة بين الملك عبد الله الثاني والملك الحسين، طيب الله ثراه، فهي من أكثر أجزاء الكتاب حساسية وأهمية. فالملك الحسين قاد الأردن في زمن بناء الدولة والحروب الكبرى، بينما قاد الملك عبد الله الثاني الأردن في زمن العولمة، الإرهاب، الانهيارات الإقليمية، الضغوط الاقتصادية، وصراعات الهوية. ولكل زمن أدواته وتحدياته. غير أن الرابط الثابت بين العهدين هو الحكمة الهاشمية، والقدرة على تحويل الأردن، رغم قلة موارده، إلى دولة ذات وزن يفوق حجمها.
ومن الإنصاف القول إن قيمة الكتاب لا تكمن فقط في أنه سيرة للملك، بل في أنه شهادة خارجية على مكانة الأردن. فالكتاب، وإن كُتب من زاوية أميركية، يؤكد حقيقة يعرفها الأردنيون جيدًا: أن هذا البلد بقي قويًا بقيادته، متماسكًا بمؤسساته، حاضرًا بدوره، ومؤمنًا برسالته. والقراءة الإيجابية للكتاب تقود إلى نتيجة واضحة: أن جلالة الملك عبد الله الثاني استطاع، خلال ربع قرن، أن يحافظ على الأردن دولة آمنة مستقرة في محيط متفجر، وأن يجعل من عمّان محطة لا يمكن تجاوزها في أي نقاش جاد حول فلسطين، القدس، الأمن الإقليمي، والشرق الأوسط.
في المحصلة، يقدم كتاب The Most American King صورة لقائد عربي هاشمي فهم العالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. عرف لغة واشنطن، لكنه بقي ابن عمّان. خاطب الغرب بثقة، لكنه حمل همّ القدس وفلسطين والأردن. تحرك في العواصم الكبرى، لكنه ظل يقود دولة تعرف أن بقاءها واستقرارها ورسالتها هي جوهر السياسة ومعناها.
ولذلك، فإن القراءة الأردنية المنصفة لهذا الكتاب ينبغي أن ترى فيه شهادة مهمة على أن الملك عبد الله الثاني لم يكن “الأكثر أميركية” بمعنى الابتعاد عن الأردن، بل كان الأكثر قدرة على جعل أميركا والعالم يفهمان أن الأردن ليس بلدًا صغيرًا في حسابات المنطقة، بل دولة مفتاح، وعرش استقرار، وصوت عقل، وقيادة هاشمية تعرف كيف تحمي وطنها في زمن العواصف.
