كتب – زياد فرحان المجالي
في قراءة فرنسية هادئة، لا يمكن التعامل مع خبر تفوق الشركات الإسرائيلية في مجال الأمن السيبراني، أو خبر اتجاه المغرب إلى إنتاج مئات المسيّرات الانتحارية، بوصفهما خبرين منفصلين. فالمسألة، من زاوية باريس، لا تتعلق فقط بتطور عسكري أو تقني داخل بلد مغاربي، بل بتحول أعمق في خريطة النفوذ داخل فضاء اعتادت فرنسا أن تراه قريبًا من مجالها التاريخي والثقافي والأمني.
فالمغرب ليس دولة بعيدة في الذاكرة الفرنسية. إنه بلد حاضر في اللغة، والجالية، والاستثمارات، والتعاون الأمني، وملفات الهجرة، وصلات الجيش والاستخبارات، وشبكات الاقتصاد والثقافة. لذلك، حين تدخل إسرائيل إلى مجالات حساسة مثل السيبر والمسيّرات، لا يبدو الأمر في الصحافة الفرنسية تفصيلًا تقنيًا عابرًا، بل علامة على أن النفوذ في المغرب العربي لم يعد يُصنع فقط عبر السفارة، والجامعة، والشركة التقليدية، والعلاقة التاريخية، بل عبر الخوارزمية، والمصنع الدفاعي، ومنظومات المراقبة، والطائرات غير المأهولة.
إسرائيل، التي بنت صورتها العسكرية طويلًا على التفوق الجوي والاستخباراتي، تحاول اليوم أن تقدم نفسها بوصفها قوة تكنولوجية شاملة: دولة صغيرة في الجغرافيا، لكنها واسعة الحضور في السيبر، والذكاء الاصطناعي، والطائرات غير المأهولة، وأنظمة المراقبة والاتصال. لهذا لا يبدو حضور شركاتها في قوائم الأمن السيبراني الصاعدة مجرد إنجاز اقتصادي، بل جزءًا من بنية نفوذ أوسع؛ فالشركة السيبرانية هنا ليست شركة تجارية فقط، بل واجهة من واجهات الردع، وبوابة من بوابات الدبلوماسية، وأداة لترسيخ الحضور في الأسواق وبناء التحالفات.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الحالة المغربية. فالمغرب لا يريد أن يبقى مستوردًا للسلاح فقط، بل يسعى إلى دخول دائرة التصنيع الدفاعي المحلي. وقد كتبت لوموند أن الرباط تستعد لدخول نادي محدود من الدول الأفريقية المنتجة للمسيّرات العسكرية بفضل التعاون مع إسرائيل، مشيرة إلى دور شركة BlueBird Aero Systems الإسرائيلية، ونقل التكنولوجيا، وتدريب المهندسين المغاربة، واحتمال إنتاج نماذج استطلاعية وربما مسيّرات انتحارية مثل SpyX.
هذا لا يعني أن الصناعة الدفاعية المغربية نسخة إسرائيلية خالصة، ولا أن القرار العسكري المغربي تابع لتل أبيب. فالمغرب، كما تراه باريس، دولة تعرف كيف توازن بين شراكات متعددة: فرنسا، الولايات المتحدة، إسرائيل، الصين، وتركيا. لكنه يعرف أيضًا أن زمن الاعتماد الكامل على المورد التقليدي انتهى، وأن الدولة التي لا تملك شيئًا من أدوات التصنيع الدفاعي تبقى رهينة لمن يبيعها السلاح ويحدّثه ويفتح له البرمجيات.
هنا بالضبط يظهر القلق الفرنسي غير المعلن. ففرنسا لا تخسر المغرب دفعة واحدة، ولا ينهار نفوذها بضربة واحدة، لكن المساحات التي كانت تتحرك فيها بثقة باتت تستقبل منافسين جددًا. إسرائيل لا تأتي إلى المغرب بخطاب ثقافي أو إرث لغوي، بل بمنظومات أمنية دقيقة: سيبر، مسيّرات، تدريب، مراقبة، ونقل تكنولوجيا. وهذه أدوات لا تكتفي ببيع السلاح، بل تدخل إلى بنية القرار الأمني نفسها.
لذلك تبدو المسألة أوسع من صفقة أو مصنع. لم تعد الدولة القوية هي التي تملك أكبر عدد من الجنود فقط، بل التي تملك الشيفرة، والخوارزمية، والمسيّرة، وسلسلة التوريد، والقدرة على تحويل التكنولوجيا إلى نفوذ سياسي وأمني. إسرائيل تدرك ذلك جيدًا، ولذلك تسوّق نفسها كشريك أمني وتكنولوجي لا كمجرد بائع سلاح.
أما المغرب، فيحاول أن يلتقط اللحظة: بناء قاعدة صناعية دفاعية، تعزيز موقعه الإقليمي، وتخفيف اعتماده على الخارج. لكن السؤال الذي سيبقى حاضرًا في باريس هو: هل تقود هذه الشراكات إلى استقلال دفاعي مغربي حقيقي، أم إلى شبكة اعتماد جديدة عنوانها التكنولوجيا الإسرائيلية؟
الخلاصة أن إسرائيل تتحرك اليوم على خطين متوازيين: خط السيبر الذي يمنحها نفوذًا ناعمًا وصلبًا في آن واحد، وخط المسيّرات الذي يمدّ حضورها إلى جغرافيا كانت فرنسا تعدّها جزءًا من مجالها القريب. وبين الشيفرة والسماء، لم تعد المنافسة على المغرب تدور حول من يعرفه تاريخيًا أكثر، بل حول من يزوّده بأدوات الأمن والقرار.
[8:47 ص، 2026/5/22] Basil Okour: رئيسي
[8:48 ص، 2026/5/22] Basil Okour: توازن الخوف… أو الاستعداد للحرب بهدف منعها
خارج النص- حلمي الأسمر
ما يجري في المنطقة العربية اليوم لا يمكن قراءته بمنطق “الحرب أو السلام” بالمعنى التقليدي. فالمنطقة تبدو وكأنها دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا: مرحلة الحشد الهائل دون الانفجار، والتهديد المتبادل دون الحسم، والاستعداد للحرب بهدف منع وقوعها أصلًا.
التصريحات الأمريكية الأخيرة، خصوصًا تلك الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن “إرجاء” أي هجوم واسع على إيران، لا تعني بالضرورة أن واشنطن تراجعت استراتيجيًا، كما أنها لا تثبت أن قرار الحرب قد اتُّخذ نهائيًا وتم فقط تأجيل توقيته. القراءة الأكثر واقعية تشير إلى أن الولايات المتحدة تحاول إدارة معادلة شديدة الحساسية: إبقاء الضغط العسكري والنفسي في أعلى مستوياته، دون الانزلاق إلى حرب إقليمية قد تفقد السيطرة على نتائجها.
المشهد العسكري نفسه يعكس هذه الازدواجية. فالحشود البحرية والجوية الأمريكية، وتعزيزات الدفاع الجوي في الخليج، واستمرار تدفق الذخائر الدقيقة، كلها مؤشرات على أن خيار القوة ما يزال حاضرًا في الحسابات الأمريكية. لكن في المقابل، لا تبدو واشنطن متحمسة لخوض مواجهة مفتوحة مع إيران في بيئة إقليمية شديدة الاشتعال، خصوصًا بعد التجارب المكلفة التي عاشتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، ومع إدراكها أن أي حرب واسعة اليوم قد تمتد آثارها إلى الطاقة العالمية، والممرات البحرية، والأسواق المالية، وحتى البنية الرقمية الدولية.
في المقابل، تبدو إيران وكأنها تبني استراتيجيتها على رفع كلفة الحرب إلى الحد الأقصى. فطهران تدرك أن ميزان القوة التقليدي لا يميل لصالحها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، لذلك ركزت خلال السنوات الماضية على بناء منظومة ردع غير تقليدية: الصواريخ بعيدة المدى، الحلفاء الإقليميون، الحرب السيبرانية، والقدرة على تهديد الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز. الرسالة الإيرانية واضحة: أي حرب لن تبقى محصورة داخل حدود إيران، بل ستتحول إلى أزمة إقليمية ودولية واسعة.
وهنا تحديدًا يظهر مفهوم “توازن الخوف”.
فالطرفان لا يتجهان إلى التهدئة لأن الثقة متبادلة، بل لأن كل طرف يخشى أن يؤدي أي تصعيد غير محسوب إلى انفجار أكبر من قدرة الجميع على التحكم به. الولايات المتحدة تخشى أن تتحول الضربة المحدودة إلى حرب استنزاف إقليمية طويلة، وإيران تخشى أن يؤدي أي خطأ في الحسابات إلى فتح مواجهة مدمرة قد تستهدف بنيتها الاستراتيجية بشكل مباشر.
أما مستعمرة الكيان الصهيوني في فلسطين، فتقف في قلب هذه المعادلة المعقدة. فالحرب الطويلة والمتعددة الجبهات بدأت تفرض تحديات غير مسبوقة على العقيدة الأمنية الصهيونية التي قامت تاريخيًا على الحسم السريع ونقل المعركة إلى أرض الخصم. ومع استمرار الضغوط من غزة ولبنان والبحر الأحمر، تتزايد الأسئلة داخل كيان العدو حول قدرة المؤسسة العسكرية على تحمل حرب استنزاف ممتدة زمنيًا ومفتوحة جغرافيًا.
لهذا، فإن أخطر ما تعيشه المنطقة اليوم ليس الحرب نفسها، بل المنطقة الرمادية التي تسبقها. منطقة تختلط فيها المناورات العسكرية بالحرب النفسية، والرسائل السياسية بالاستعدادات الميدانية، والتأجيلات التكتيكية بالاحتمالات المفتوحة.
ربما لا يريد أحد حربًا شاملة فعلًا، لكن الجميع يستعد لها وكأنها ممكنة في أي لحظة.
وهذه هي المفارقة التي تحكم المشهد كله:
الاستعداد للحرب أصبح هو الوسيلة الأساسية لمنعها.
