أخبار

قراءة في أزمة الإدارة العامة في الأردن

قراءة في أزمة الإدارة العامة في الأردن


 في الدولة الحديثة، يفترض أن يكون النظام والتعليمات
في المؤسسات العامة هو الطريق الطبيعي لإنجاز مصالح الناس؛ فالقوانين وُضعت لتنظيم
الحقوق والواجبات، والإدارات أُنشئت لتقديم الخدمة، والموظف العام وجد ليكون حلقة
وصل محترمة وفعالة بين المواطن والدولة. لكن الخلل يبدأ عندما يفقد المواطن ثقته
بهذا المسار، ويقتنع — عن تجربة لا عن انطباع — أن إنجاز معاملته أو حل مشكلته قد
يحتاج إلى مناشدة، أو ضغط إعلامي، أو تدخل استثنائي يتجاوز القنوات الرسمية كلها
.

في الأردن، لم تعد مشاهد المواطنين الذين يناشدون
الملك عبر الإذاعات أو وسائل التواصل أو اللقاءات العامة حالات نادرة تفرضها
الظروف الإنسانية القاسية، بل أصبحت انعكاسًا متكررًا لأزمة أعمق داخل الإدارة
العامة. فحين يلجأ المواطن إلى أعلى سلطة في الدولة من أجل حل مشكلة خدمية أو
إدارية يفترض أن تُعالج داخل مؤسسة صغيرة أو دائرة محلية، فهذا لا يكشف فقط حجم
معاناة الناس، بل يكشف أيضًا حجم التعطل في المستويات الإدارية الوسيطة التي يفترض
أن تقوم بهذا الدور
.

المشكلة هنا لا تتعلق بغياب التعاطف الرسمي أو ضعف
إرادة الدولة، بل بوجود فجوة متزايدة بين المواطن والمؤسسة العامة. فالكثير من
الأردنيين باتوا يشعرون أن المعاملة لا تتحرك إلا إذا أصبحت قضية رأي عام، وأن بعض
المسؤولين لا يستجيبون إلا بعد أن تتحول المشكلة إلى الفضاء الإعلامي أو المناشدة العلنية. وهكذا تتحول المناشدة
تدريجيًا من استثناء إنساني إلى “آلية موازية” لإنجاز المعاملات وحل
المشكلات
.

منطق إدارة الإحراج لا إدارة الخدمة

الأخطر في هذه الظاهرة أن بعض المؤسسات لم تعد تعمل
وفق منطق الخدمة الاستباقية، بل وفق منطق احتواء الإحراج بعد وقوعه. مواطن يراجع
لأشهر دون نتيجة، ثم تُطرح قضيته عبر برنامج إذاعي أو منصة رقمية، فتبدأ الاتصالات
والتحركات خلال ساعات. هنا يبرز السؤال الجوهري: إذا كان الحل ممكنًا بهذا القدر
من السرعة، فلماذا لم يتحرك النظام الإداري قبل الضجيج؟

هذه المفارقة تكشف أن المشكلة ليست دائمًا في نقص
الإمكانيات، بل في ضعف المتابعة والمساءلة وثقافة اتخاذ القرار. فالإدارة التي لا
تتحرك إلا تحت الضغط تفقد تدريجيًا معناها المؤسسي، وتتحول من جهاز لخدمة
المواطنين إلى جهاز لإدارة ردود الفعل
.

ومع الوقت، ينتج عن ذلك أثر أخطر من التعطيل نفسه:
تآكل الثقة العامة. إذ يبدأ المواطن بالاقتناع أن القانون وحده لا يكفي، وأن
الوصول إلى الحق يحتاج إلى “وسيط” أو “نافذة نفوذ” أو “ميكروفون”
.

البيروقراطية كأزمة بنيوية

الخلل في الإدارة العامة الأردنية ليس وليد السنوات
الأخيرة، بل هو نتيجة تراكم طويل من المركزية، وتداخل الصلاحيات، وضعف تقييم
الأداء، وثقافة إدارية تخشى اتخاذ القرار أكثر مما تسعى إلى الإنجاز. فكثير من
الموظفين يفضّلون تعطيل المعاملة على تحمّل مسؤولية الحسم، فيما تتوزع المسؤوليات
داخل الهرم الإداري بطريقة تجعل الخطأ بلا محاسب واضح
.

ومع مرور الوقت، تحولت البيروقراطية من أداة لتنظيم
العمل إلى بيئة طاردة للكفاءة ومُنهكة للمواطن. فأبسط المعاملات قد تحتاج إلى
سلسلة طويلة من التواقيع والموافقات والمراجعات، بينما يقضي المواطن جزءًا كبيرًا
من وقته بين النوافذ والأختام والمنصات الإلكترونية التي لا تُغنيه في كثير من
الأحيان عن الحضور الشخصي وإعادة الإجراءات ذاتها
.

لماذا لم تنجح خطط الإصلاح الإداري؟

رغم كثرة الخطط والمشاريع الحكومية التي حملت عناوين
الإصلاح الإداري والتحديث والتحول الرقمي، فإن الأثر الحقيقي على حياة الناس بقي
محدودًا. والسبب أن معظم هذه المشاريع ركزت على الأدوات أكثر من تركيزها على فلسفة
الإدارة نفسها
.

لقد جرى إطلاق منصات إلكترونية، وإعادة هيكلة مؤسسات،
وتطوير خدمات رقمية، لكن الثقافة الإدارية التقليدية بقيت كما هي: مركزية
مفرطة، تضخم في الإجراءات، ضعف في المساءلة، وتردد في اتخاذ القرار. ولذلك لم تؤدِ
الرقمنة إلى إنهاء البيروقراطية، بل في أحيان كثيرة إلى “رقمنة
البيروقراطية”
. أي أن المواطن انتقل من الوقوف أمام نافذة تقليدية إلى
الوقوف أمام شاشة إلكترونية، ثم يُطلب منه في النهاية مراجعة الدائرة وإحضار
الوثائق نفسها
.

الإصلاح الإداري الحقيقي لا يتحقق عبر التكنولوجيا
وحدها، بل عبر إعادة بناء منظومة المسؤولية والمحاسبة، وتمكين الموظف الكفؤ، وربط
الترقية والحوافز بجودة الخدمة لا بالأقدمية أو الاعتبارات التقليدية
.

مفارقة النجاح الإداري في الأردن

ومع ذلك، فإن التجربة الأردنية تحمل مفارقة مهمة؛
فالأردن لا يفتقر إلى نماذج إدارية ناجحة. فهناك مؤسسات استطاعت أن تفرض احترامها
لدى المواطنين بسبب سرعة الإنجاز ووضوح الإجراءات والانضباط المؤسسي، مثل دائرة
الأحوال المدنية والجوازات وإدارة ترخيص السواقين والمركبات. كما استطاعت مؤسسات
صحية رائدة مثل المؤسسة العامة للغذاء والدواء ومركز الحسين للسرطان والمركز
الوطني للسكري والغدد الصم والوراثة أن تقدم نماذج متقدمة في الإدارة والكفاء
واحترام النظام والإنسان
.

هذه المؤسسات أثبتت أن النجاح الإداري في الأردن ممكن،
وأن المشكلة ليست في نقص الكفاءات أو استحالة الإصلاح، بل في غياب القدرة على
تعميم التجارب الناجحة وتحويلها إلى ثقافة مؤسسية شاملة داخل الجهاز الحكومي
.

فالنجاح في هذه المؤسسات لم يكن معجزة، بل نتيجة إدارة
واضحة، وصلاحيات محددة، ومحاسبة فعلية، وقيادات تؤمن بأن احترام وقت المواطن
وكرامته جزء من هيبة الدولة نفسها
.

استعادة فكرة العمل المؤسسي

المواطن الأردني لا يبحث عن امتيازات استثنائية بقدر
ما يبحث عن مؤسسة تعمل كما يجب. يريد أن يحصل على حقه دون إذلال، وأن تُحل مشكلته
داخل الإطار الإداري الطبيعي لا عبر الاستغاثة أو الضغط أو المناشدة
.

وحين تصبح المناشدة طريقًا للإنجاز، فإن المشكلة لا
تكون في المواطن الذي يصرخ طلبًا للمساعدة، بل في منظومة إدارية دفعت الناس إلى
فقدان الثقة بمسارها الطبيعي
.

لهذا، فإن أي إصلاح حقيقي في الأردن لا بد أن يبدأ من
استعادة فكرة العمل المؤسسي: مؤسسة تسمع قبل أن يُرفع الصوت، وتتحرك قبل أن تتفاقم
الأزمة، وتعتبر خدمة المواطن جوهر وجودها لا عبئًا إضافيًا عليها. فالدولة القوية
ليست تلك التي تُحل فيها المشكلات عبر التدخلات الاستثنائية المتكررة، بل تلك التي
تعمل مؤسساتها بكفاءة تجعل المناشدة استثناءً نادرًا لا طريقًا معتادًا للإنجاز.

 

 



Source link

السابق
حين يتحول السفير الأمريكي إلى ناطق باسم اليمين الصهيوني المتطرف
التالي
انخفاض ملموس على الحرارة الجمعة وتحذيرات من رياح قوية ومثيرة للغبار