أخبار

حين يتحول السفير الأمريكي إلى ناطق باسم اليمين الصهيوني المتطرف

حين يتحول السفير الأمريكي إلى ناطق باسم اليمين الصهيوني المتطرف


 كتب – اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني

لم يعد ممكناً التعامل مع تصريحات السفير الأمريكي لدى
دولة الكيان الصهيوني مايك هاكابي Mike Huckabeeباعتبارها مجرد مواقف دبلوماسية منحازة أو اندفاعات خطابية
عابرة. فالرجل تجاوز منذ زمن حدود الدور الدبلوماسي التقليدي، وتحول عملياً إلى
ناطق سياسي وأيديولوجي باسم اليمين الصهيوني المتطرف بقيادة
بنيامين نتنياهو، ومروج أمريكي
لمشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط على أساس الهيمنة الإسرائيلية المطلقة
.

تصريحات هاكابي الأخيرة، التي دعا فيها دول الخليج
إلى الاختيار بين إيران وإسرائيل
، لم تكن مجرد دعوة لتحالف أمني عابر، بل
محاولة صريحة لفرض رؤية أيديولوجية على المنطقة بأسرها، تقوم على إعادة تعريف
العدو والحليف والأمن وحتى الوعي السياسي العربي وفق العقيدة السياسية لليمين الصهيوني
المتطرف
.

منطق الوصاية لا منطق الحوار

حين قال هاكابي إن “إسرائيل ليست عدوكم
الطبيعي”
، لم يكن يتحدث بلغة دبلوماسي حريص على تخفيف التوترات أو تقريب
وجهات النظر، بل تحدث بعقلية وصائية متعالية، وكأن من حقه أن يقرر للشعوب العربية
ماذا تتذكر وماذا تنسى، ومن تعتبره عدواً ومن تعتبره حليفاً
.

هذه ليست لغة سفير، بل لغة مبشر أيديولوجي متماهٍ
بالكامل مع الرواية الصهيونية الأكثر تطرفاً، تلك الرواية التي تريد شطب عقود من
الاحتلال والحروب والحصار والدمار والمجازر، وإعادة تقديم الدولة الصهيونية
المزروعة في قلب العالم العربي بوصفها “الحارس الطبيعي” للمنطقة
.

الأخطر أن هاكابي لم يطرح خياراً سياسياً قابلاً
للنقاش، بل حاول فرض معادلة قسرية تختزل المنطقة كلها في ثنائية حادة: إما
الانخراط الكامل في المحور الصهيوني الأمريكي، أو الوقوف في معسكر الخصوم
.

تحويل إسرائيل إلى مركز النظام الإقليمي

هاكابي لم يكتفِ بالترويج السياسي للدولة الصهيونية،
بل حاول إعادة تعريف أمن الخليج نفسه باعتباره امتداداً عضوياً للأمن الإسرائيلي.
فقد أشاد ـ
بدولة الإمارات
العربية
باعتبارها “النموذج
الذي يُحتذى”
لأنها انخرطت مبكراً في اتفاقيات أبراهام، ثم استشهد، كما
يدعي، بإرسال بطاريات “القبة الحديدية” الإسرائيلية إليها باعتبار ذلك
دليلاً على “الفوائد” التي تجنيها الدول العربية من التحالف مع دولة
الكيان
.

بهذا الخطاب، لم يعد الحديث يدور حول تطبيع سياسي
تقليدي، بل حول مشروع متكامل لإعادة هندسة المنطقة أمنياً وسياسيا واستراتيجياً
بحيث تتحول الدولة الصهيونية المحتلِة إلى مركز القوة ومصدر الحماية وقائد النظام
الإقليمي الجديد، بينما يُعاد ترتيب بقية الدول حولها كأطراف وظيفية داخل المحور
الأمريكي الإسرائيلي
.

إن ما يطرحه هاكابي ليس شراكة متوازنة، بل علاقة تبعية
سياسية وأمنية يراد فرضها على المنطقة تحت عنوان “الاستقرار”
.

هاكابي وعقيدة اليمين الصهيوني

من يتابع تاريخ الرجل ومواقفه يدرك أن هذه التصريحات
ليست زلة لسان، بل انعكاس طبيعي لعقيدته السياسية والفكرية. فهاكابي
لم يكن يوماً دبلوماسياً مهنياً
تقليدياً، بل شخصية تنتمي بوضوح إلى تيار المسيحية الصهيونية الأمريكية، ذلك
التيار الذي يرى في الدولة الصهيونية مشروعاً عقائدياً وسياسياً يتجاوز حدود
التحالف الاستراتيجي التقليدي
.

لذلك لم يكن مستغرباً أن يكون هاكابي من أبرز
المدافعين عن ضم الضفة الغربية، وأن يستخدم باستمرار مصطلحات توراتية مثل “يهودا
والسامرة”، وأن يتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها عقبة ينبغي تجاوزها لا
قضية شعب يعيش تحت الاحتلال
.

هذه المواقف تمثل جوهر العقيدة السياسية لليمين
الصهيوني المتطرف الذي يقوده
نتنياهو، والقائم
على رفض الدولة الفلسطينية، ورفض الانسحاب من الأراضي المحتلة، وفرض دولة الإحتلال
كقوة مهيمنة من النهر إلى البحر، ثم دمجها إقليمياً باعتبارها المركز الطبيعي
الوحيد للشرق الأوسط الذي يجب ان تدور بفلكه كل الدول.

دفن القضية الفلسطينية تحت عنوان “التحالف الأمني”

دعوة هاكابي لدول الخليج إلى الاصطفاف خلف تل أبيب لا
يمكن فصلها عن هذا المشروع الأكبر. فالرجل لا يريد فقط تحالفاً أمنياً ضد
ايران، بل يريد شرق أوسط جديداً تُدفن فيه
القضية الفلسطينية، ويُعاد فيه تعريف إسرائيل من دولة احتلال إلى “قائد طبيعي”
للمنطقة
.

في هذا التصور، تصبح العواصم العربية مطالبة بإثبات
ولائها للمحور الصهيوني الأمريكي بوصفه شرطاً للأمن والحماية، بينما يتم التعامل
مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً ثانوياً يمكن تجاوزه أمام متطلبات “النظام
الإقليمي الجديد”
.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ لأن المطلوب لم يعد مجرد
تطبيع العلاقات، بل إعادة صياغة الوعي السياسي العربي نفسه بما يتناسب مع رواية الإحتلال
الصهيوني
.

سقوط القناع الدبلوماسي

الأكثر خطورة أن هذا الخطاب يصدر عن سفير يفترض نظرياً
أنه يمثل دولة كبرى تدّعي احترام القانون الدولي والتوازنات السياسية. لكن هاكابي
أسقط بالكامل القناع الدبلوماسي التقليدي، وتصرف كناشط أيديولوجي يستخدم موقعه
الرسمي للترويج لرؤية سياسية متطرفة تتجاوز حتى حدود العمل الدبلوماسي الأمريكي
المعروف
.

فمنذ متى أصبح دور السفير الأمريكي تحديد “العدو
الطبيعي”
للعرب؟ ومنذ متى تحولت السفارات إلى منصات لإعادة هندسة
التحالفات الإقليمية والترويج لهيمنة دولة على المنطقة بأسرها؟

إن ما يقوله هاكابي لا يمكن عزله عن المزاج السياسي
المتنامي داخل بعض دوائر اليمين في واشنطن وتل أبيب، ذلك المزاج الذي لم يعد يرى
في إسرائيل مجرد حليف استراتيجي، بل مركزاً ينبغي أن يُعاد تشكيل الشرق الأوسط كله
حوله
.

الشرق الأوسط ليس مزرعة أيديولوجية

فالشرق الأوسط ليس مزرعة أيديولوجية لليمين الصهيوني،
وليس فراغاً جيوسياسياً يمكن ملؤه بالشعارات الأمنية والتحالفات القسرية. كما أندولة
الكيان الصهيوني مهما امتلكت من تفوق عسكري ودعم أمريكي، تبقى دولة محتلة ولا تستطيع أن تصبح “المركز
الطبيعي” للمنطقة عبر الضغوط السياسية والعسكرية أو الابتزاز الأمني أو
محاولات شطب القضية الفلسطينية من الوعي العربي
.

وفي النهاية، فإن خطورة تصريحات هاكابي لا تكمن فقط في
حدتها واستفزازها، بل في كونها تكشف بوضوح غير مسبوق حجم التماهي بين بعض دوائر
القرار الأمريكية وعقيدة اليمين الصهيوني المتطرف، تلك العقيدة التي لا تسعى إلى
تحقيق سلام عادل أو استقرار متوازن، بل إلى فرض شرق أوسط أحادي القطبية تديره
إسرائيل تحت المظلة الأمريكية، بينما يُطلب من بقية شعوب ودول المنطقة التكيف مع
هذه الهيمنة بوصفها “قدراً سياسياً” وأمر واقع لا يجوز الاعتراض عليه.

 



Source link

السابق
وزير التربية والتعليم يتفقد مشروع مسار للتحول الرقمي في مدرسة أم كثير
التالي
قراءة في أزمة الإدارة العامة في الأردن