كان والدي رحمه الله ضابطاً في الجيش العربي في الخمسينات والستينات أي قبل ستين سنة فقط، خدم في كتائب الزرقاء والمفرق والسلط وفي كتائب القدس ونابلس والخليل وكان يُقيم وعائلته حيناً في الزرقاء أو في الكرك أو في القدس أو نابلس أو الخليل كأيّ ضابط في الجيش وهو بذلك كأيّ مواطن يركب سيارته وينتقل من الزرقاء أو السلط أو الكرك ليُصلي الجمعة في المسجد الأقصى أو يركب الحافلة أو الباص (خط السلط – عمان – القدس وبالعكس) يذهب ويعود في بضع ساعات من النهار كأنه انتقل من الكرك إلى عمان أو إلى الزرقاء، لا جوازات سفر ولا حدود ولا غُربة ولا حواجز أمنية أو ثقافية أو اجتماعية ولا حساسيات سياسة مقيتة وهكذا كان يفعل الفلسطيني المقيم في القدس والخليل ونابلس أيضاً وهكذا كان يفعل اللاجئ الذي أحتُلّت مدينته أو قريته بعد حرب 1948 والذين استقبلناهم في عمان والزرقاء والقدس والخليل كأخوةٍ جار عليهم العدو والزمن وليس كلاجئين أغراب من أُمة أو دولة أخرى.
ضباط الجيش العربي الباسل لم يقاتلوا في عام 1948 او 1967 أو في الكرامة عام 1968 إلا دفاعاً عن أرضهم العربية التي يعشقون فالقدس عندهم كعمان والسلط، والخليل عندهم كالكرك ومعان والطفيلة، ونابلس عندهم كالسلط واربد والمفرق، إنّ فلسطين في ضميرهم ووجدانهم أرض عربية واسلامية واحدة إنها والأردن وطن واحد ولأمة واحدة في مواجهة عدوٍّ واحد، ومن قبل ذلك قاد الشيخ كايد مفلح العبيدات أكثر من ثلاثمائة مجاهد معظمهم من أبناء بني كنانة والكفارات في منطقة إربد ليخوض بهم معركة “سمخ” (تلال الثعالب) عام 1920 ضد العصابات الصهيـ ـونية على أرض فلسطين فيرتقي شهيداً هو وثلّة من رفاقه الأبطال مثل سلطان الجبر المفلح العبيدات وفندي قفطان العبيدات ومحمد العزام من شيوخ الوسطية في محافظة إربد وبلال سالم الحجات من كفرسوم وسعيد وسطام القرعان من طيّبة إربد ومحمد القعاونة من قرية صمّا إضافة إلى شهداء كانوا معهم من منطقة حوران السورية.
لقد كانت أرض الأردن وأرض فلسطين أرضاً واحدة وشعباً واحداً وجزءًا لا يتجزّأ من أمة عربية إسلامية واحدة فهذه الأرض في وجداننا العربي كانت وما زالت وستبقى أكبر من تقسيمات سايكس وبيكو ووعد بلفور وأكبر من المخططات الإستعمارية التي أرادت أن نصبح أمة مجزّأة ومقسّمة إلى دول وكانتونات ضعيفة وتابعة للغرب الإستعماري، وإنّ القُطريّة السياسية كواقع فُرض علينا بيد الإستعمار البغيض لن jكون إلا مرحلة مشؤومة ستنتهي يوماً ما، ومن المُعيب أن تصبح في أذهان البعض قدراً مُقدّساً لا يجوز المساس به.
إنّ دعوات النشاز الفكري والسياسي بأن قضية فلسطين تخُص الفلسطينيين وحدهم وأن لهم هوية وطنية مستقلة وأنّ للأردنيين هوية وطنية أخرى وكما أنّ للسوريين هوية تخصّهم وللعراقيين هوية تخصهم ما هي إلا دعوات لترسيخ ما أراده الاستعمار البغيض وما تريده الصهيـ ـونية المجرمة في الهيمنة على فلسطين والمنطقة بأسرها، وماذا عسى هؤلاء أصحاب الدعوات والتصريحات المقيتة يجيبون عن سيلٍ من دماء الشهداء الأردنيين الذين روّوا بدمائهم ثرى فلسطين منذ الشهيد كايد مفلح العبيدات إلى شهداء الجيش العربي في معارك الشرفK وبطولات وتضحيات جنودنا وضباطنا الذين دافعوا عن فلسطين في معارك باب الواد واللطرون والسموع , وتلة الذّخيرة وغيرها، وماذا عساهم يقولون لهم عن دمائهم وبطولاتهم؟ أيقولون لهم لقد ذهبت دماؤكم هدراً؟ أيقولون لهم لقد كانت تضحياتكم هباءًا؟ أيقولون لهم ما كان شأنكم وفلسطين والقدس والمسجد الأقصى؟! إنها قضية أرض وشعب لا يعنينا من قريب أو بعيد! إنها قضية أرض وشعب وهوية لا تخُصّنا! لقد كنتم مخطئين وجهلة ومتهورين، فنحن لنا أرضنا فقط، ولنا هويتنا فقط، ولا نحن أمّة واحدة ولا شعب واحد ولا عدوّنا واحد وما عاد دينٌ يجمعنا ولا عروبة توحّدنا، وما عادت بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان؟!.
لقد باتت المبالغة في تقديس القُطريّة في عالمنا العربي أهمّ وأكبر عائق في وجه نهوض الأمة من كبوتها وتوحيد شعوبها ومُقدّراتها، لقد نجح أعداء الأمة في تحويل التقسيم الجبري الطارئ لأقطار الوطن العربي الكبير الواحد إلى مُسلمات طبيعية بل ومقدّسة في أذهان البعض المهزومين أو المتصهينين عن قصد أو عن غير قصد منهم وبما يخدم مصالح أعداء الأمة والدّين ومصالح الفئة التابعة لهم التي لا يهمّها سوى إعتلاء رقاب الناس والحفاظ على سلطتهم ومكتسباتهم وأموالهم.
