لا يمكن قراءة التحولات الراهنة في سياسة بروكسل تجاه تل أبيب بمعزل عن الجذور التاريخية والجيوسياسية التي صاغت هذا التحالف؛ فمنذ “وعد بلفور” البريطاني، عمد الغرب إلى زرع الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي كقاعدة متقدمة، تضمن تدفق الموارد، وتحرس الممرات المائية، وتمنع تشكل أي قوة إقليمية مستقلة قادرة على فرض شروطها في النظام الدولي. لقد أُريد لهذا الكيان أن يكون “حارس المصالح الغربية” الذي يبقي المنطقة في حالة من التفكك والإنهاك وعدم التعافي. ومع الرعاية الأمريكية المطلقة، ظل الاتحاد الأوروبي لسنوات “تابعاً” مخلصاً، يمنح دولة الكيان دعماً غير مشروط وحصانة دبلوماسية كاملة.
زلزال غزة: حين يتمرد الشارع على “التبعية”
لكن المشهد في ربيع 2026 يكشف عن تصدع تاريخي لم تبدأه الحكومات، بل أطلقه الشارع الأوروبي. إن التصدع الذي نراه اليوم هو الارتداد المباشر لزلزال حرب غزة ولبنان. هذه التطورات وضعت العواصم الأوروبية أمام تناقض صارخ بين شعارات حقوق الإنسان وبين واقع الدمار؛ وانتقل الضغط من الميادين إلى دوائر صنع القرار. ولعل الرقم القياسي الذي سجلته “مبادرة المواطنين الأوروبيين” بتجاوز 1.1 مليون توقيع للمطالبة بتعليق اتفاقية الشراكة، هو الدليل الأقوى على أن الشعوب الأوروبية لم تعد تقبل بأن تظل بلادها “شريكاً صامتاً” في ممارسات توصف دولياً بالإبادة.
صراع الإرادات: من التبعية إلى الاستقلال
يكشف المشهد الحالي عن “صراع إرادات” داخل بروكسل؛ فبينما تقود إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا وبلجيكا تيار “المشروطية الأخلاقية والقانونية” مطالبة بإنهاء الامتيازات التجارية، لا تزال قوى تقليدية مثل ألمانيا وإيطاليا واليونان تتمسك بالدعم التقليدي والحوار. لكن هذا الانقسام لم يعد يحمي تل أبيب كما في السابق؛ فغياب “الفيتو المجري” بعد رحيل أوربان، وتصاعد حدة التصريحات من مسؤولة السياسة الخارجية “كايا كالاس” تجاه تجاوزات تل أبيب (خاصة فيما يتعلق بقانون عقوبة الإعدام وتوسيع الاستيطان)، يؤكد أن الحصانة الدبلوماسية قد تآكلت.
المشروطية كأداة لضبط “الحارس”
إن الانتقال نحو “المشروطية” يعكس رغبة أوروبية في استعادة دور “اللاعب” المستقل، بدلاً من البقاء في ظل التبعية المطلقة للرؤية الأمريكية. ومع وصول حجم التبادل التجاري الأوروبي الصهيوني إلى أكثر من 45 مليار يورو، تدرك أوروبا أن سلاح الاقتصاد هو الأداة الوحيدة لضبط إيقاع هذا “الحارس” الذي بدأ يتجاوز أدواره الوظيفية مهدداً الأمن القومي للقارة. لذا، فإن النقاش حول التعليق “الجزئي” للاتفاقية أو فرض عقوبات على منتجات المستوطنات ليس مجرد إجراء فني، بل هو رسالة سياسية بأن “تكلفة الشراكة” قد ارتفعت.
من القمة إلى القاعدة: حصار ناعم يتشكل
لم يعد الضغط محصوراً في تعليق الاتفاقيات التجارية فقط، بل امتد ليشمل حصاراً ثقافياً ورياضياً وأكاديمياً غير مسبوق. فالمخاوف الصهيونية التي نقلتها صحيفة “هآرتس” من “نفاد صبر أوروبا” لم تأتِ من فراغ؛ إذ بدأت دول مثل إسبانيا وإيطاليا وبريطانيا خطوات عملية بإلغاء اتفاقيات دفاعية وتعليق محادثات تجارة حرة. هذا التحول يعني أن إسرائيل لم تعد تفقد “الفيتو السياسي” فحسب، بل قد تفقد أيضاً عمقها الاستراتيجي في مجالات التكنولوجيا والبحث العلمي والتعاون الأمني.
الخلاصة: لم يتغير الضمير ولم تتغير المصالح… بل تغيّرت الحسابات
لن تتحول أوروبا فجأة إلى نصير للعدالة، ولن تتخلى عن الدولة الصهيونية التي زرعتها في خاصرة الأمة العربية وتبنتها منذ صدور وعد بلفور عام 1917. ما يحدث هو إعادة تموضع بارد: من دعم مطلق إلى دعم محسوب ومشروط.
العلاقة الأوروبية الصهيونية لم تُبنَ على القيم حتى تنهار بسببها، بل على المصالح—وهي اليوم تُعاد صياغتها لا أكثر. لقد انتهى زمن الدعم المطلق الأعمى وبدأ زمن الحسابات والتوازنات التي فرضتها دماء غزة وضرورات الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي وتغير المزاج الشعبي.
