أخبار

السياسة بين ما يريده الاقليم وما يريده الأردنيون…مشروع سكة حديد الشيدية مثالا صارخا. #عاجل

السياسة بين ما يريده الاقليم وما يريده الأردنيون…مشروع سكة حديد الشيدية مثالا صارخا. #عاجل


جو 24 :

 

كتب د.عبدالحكيم الحسبان

ينقل الخبر الذي بثته وكالة أنباء الامارات أن ” نائب رئيس الامارات منصور بن زايد ال نهيان ورئيس الوزراء الاردني جعفر حسان شهدا في قصر الوطن في أبوظبي توقيع اتفاقية بين الامارات والاردن لتطوير شبكة سكك حديدية في الاردن، وتأسيس الشراكة الاماراتية الاردنية لسكك الحديد التي ستقوم بتشييد وتشغيل مشروع سكة الحديد الي يبلغ طولها 360كم لربط مناطق التعدين الرئيسة في الشيدية وغور الصافي بميناء العقبة بهدف نقل 16 مليون طن سنويا من الفوسفات والبوتاس وبقيمة اجمالية تبلغ 2,3 مليار دولار امريكي” انتهى الاقتباس.

يتيح الخبر أعلاه والذي تلحظه العين بالكاد وسط طغيان فيضان الخبر المتعلق بالحلقة الأخيرة من سلسلة الحروب والعدوانات التي يشنها الاميركي والصهيوني على دول الاقليم والتي استهدفت هذه المرة جمهورية إيران الاسلامية، يتيح الخبر طيفا واسعا من الافكار المتداعية و المحاور والزوايا التحليلية بل والهواجس المشروعة المتعلقة بهذه الاتفاقية الاردنية الاماراتية. وهو الامر الذي تعجز مقالة صحافية تفترض قواعد الكتابة أن تكون محدودة في عدد كلماتها كي يقرأها العامة من الجمهور.

وعليه، فان المقالة لن تناقش الجوانب التقنية والاقتصادية والمالية في المشروع ، ولكنها ستتناقش المشروع لجهة ذلك الصراع بين ما يريده الاقليم من الاردن، وما يريده الاردنيون من أردنهم ومن وطنهم ومن نظامهم السياسي وإذ يقدم المشروع الاماراتي نموذجا حيا وصارخا على تلك الجدلية القاتلة والمميتة التي تتأرجح بها السياسات وصناعة القرار الاردني بين ما يريده الاردنيون اقتصاديا ومعيشيا وسياسيا من دولتهم، وبين ما يريده الاقليم وبعض العالم من دولتهم ومن نظامهم السياسي.

وربما من باب اختصار الامور على القارئ سأقول أن توقيع هذه الاتفاقية وبالقدر الذي اثار الرضى في النفس إلا انه اثار كثيرا من الحزن والغضب الذي لا يتأتى من رفض الخير، ورفض وكل أمل في النمو والنماء للاردن واقتصاده وشعبه، ولكنه يتأتى من نمط السياسات السائدة وما تقرره من اولويات يحار فيها العقل حين يحاول أن يستكشف فيها ما هو خير عميم للاقليم وما هو خير للاردن وشعبه ودولته.

ففي حين يغرق الاردنيون الذي اختاروا ومنذ البدايات طريق السلام وطريق الاصطفاف في المحور الغربي كما محور الاعتدال الخليجي في أزمات طاحنة تشير إليها ارقام بطالة تقترب من اكثر من ثلاثين بالمئة، وفقر مدقع طاول عدة ملايين من الاردنيين، وأرقام فلكية من المديونية، ولتصل الازمات حد التهديد الوجودي للاردن شعبا ونظاما من قبل ذات المنظومة الغربية التي اختار الاردن الانحياز لها، ما يجعل الاردنيين ينتظرون نمطا من السياسات، والقرارات، والاتفاقيات التي تخدمهم وتطمئنهم إلى وجود صناعة قرار تستشعر احتياجاتهم وتحاول حل أزماتهم، لا حل أزمات الاقليم والمنطقة التي اعتدنا ان ننخرط في حلها بأكثر من انخراطنا في حل أزمات مجتمعنا واقتصادنا وتعليمنا وطبابتنا.

فمنذ التأسيس كان الاردن والاردنيون في خدمة استقرار الاقليم، وكانوا جزء من سياسات الاعتدال والوسطية والسلام التي أرادها الغرب كما بعض الاقليم المجاور، ومنذ التأسيس كان الاردن في السياسة كما في الامن، والاقتصاد، والاجتماع، والاعلام ومنهاجه الدراسي هو في المواقع الامامية التي أرادها الغرب الغني جدا، وبعض الاقليم المجاور الذي يعوم على بحور من النفط والغاز. وتعكس الموازنة ايضا هذا الاصطفاف في ارقام الموازنة العامة للدولة على مدى سنين طويلة؛ إذ ينفق الاردن على امنه وامن الاقليم ما يزيد على اربعين بالمئة من ايراداته في حين يكاد انفاقة على التعليم الجامعي لا يتجاوز نسبة الصفر من موازنته السنوية. وهو ما يكشف عن حجم المعضلة التي تعيشها الدولة الاردنية على الصعيد الاستراتيجي وما يطرح بالعمق معضلة التارجح داخل جدلية ما هو وطني داخلي وما هو خارجي دولي او اقليمي.

والحال، فإن الاتفاق الاردني الاماراتي في قطاع النقل يقدم مثالا صارخا على ذلك المأزق الذي نعيشه بين ما نصنعه من سياسات تخدم الاردن ووالاردنيين وتجلب الخير لهم، وسياسات تصنع الخير والرفاهية للاقليم وللعالم ولكنها لا تخدم الاردنيين الذي يسجل عداد الفقر والبطالة والموت انتحارا من فوق جسر عبدون زيادة تتلوها زيادة. ففي حين يختنق الاردن وطنا ودولة جراء قطاع نقل عام يغيب عنه القطار، والترام، وقطار الانفاق، هو قطاع بمقاييس العقلانية يتخلف باكثر من قرن عن قطاع النقل في كثير من دول العالم، ما يجعل قطاع النقل بمثابة قاتل للاقتصاد والاستثمار والصحة والبيئة، وبما يجعل الاردنيين ينتظرون على احر من الجمر خبرا يزف اليهم بشرى بلورة استراتيجية وطنية في قطاع النقل تخدم 12 مليونا من الاردنيين، فلم يجد الاردنيون في خبر الاتفاق اعلاه ما يتعلق مطلقا بجحيم قطاع النقل الذي يستنزفهم؛ فالاتفاق الاردني الاماراتي لا يتعلق بنقل البشر بالقطارات بل بنقل الحاويات والمستوعبات.

وفي حين أن خط سكة الحديد في الاتفاق المشار اليه اعلاه، يمتد لمئات الكيلومترات بين عمان والعقبة، فان من المثير للغضب والحزن أن لا يجري الحديث عن أقل من مئة كيلومتر هي المسافة التي تربط بين عمان والزرقاء واربد والمفرق والرمثا وجرش وعجلون التي يتركز فيها أكثر من 80 بالمئة من سكان البلاد ما يخرج البلاد من فقرها وما يخرج الاردنيين من اقتصاد السيارة الذي يخنقهم ويحيل حياتهم ومستقبلهم الى جحيم. وهو ما يضعنا امام سؤال كبير يتعلق مرة أخرى بما يريده الاردنيون وما يريده الاماراتي وما يريده الاقليم وما بعد الاقليم. فمشروع مثل هذا تحضر فيه مصالح الاقليم، وتغيب كثيرا عنه مصالح الداخل الاردني الذي بات انشاء خط سكة حديد يربط سكانه وما ينتجونه من بضاعة في عمان والزرقاء واربد وعجلون هو في صلب اولوياته ومصالحه، فمشروع مثل هذا يجعلنا نطرح الكثير الكثير من الاسئلة عن اولويات الداخل وعن تلك التي تنسجم مع مصالح الاقليم والخارج.

فلعقود طويلة سادت الغصة والتساؤل عن سبب الاصرار على رفض انشاء خط للسكك الحديدي قد يبدأ اولا من مدينتي عمان والزرقاء التي لني يزيد خط سكة الحديد بينهما عن الثلاثين كم ويما يتيح الربط بين اكبر تجمعين واقتصادين داخل البلاد، وهو المشروع الذي لن يكلف الكثير من الاموال التي لا نتردد في استدانة الكثير منها من اجل تغطية بنود غير رأسمالية في الموازنة ولكننا نرفض انفاق جزء منها كي نبني شريانا استراتيجيا يزيد من منعة البلاد واستقلالها، كما اننا نناقش ليل نهار في مليارات الدنانير من استثمارات الضمان الاجتماعي ولكننا نرفض في المطلق مناقشة فكرة أن يتم بناء خطوط للسكك الحديدية تؤسس لنقل قطاع المواصلات إلى حقبة اكثر حداثة ومعاصرة من تلك المليارات في صندوق الضمان التي تذهب في اتجاهات كثيرة ولكنها لا تذهب في اتجاه الاستثمار في قطاع وطني استراتيجي يبني دولة ومجتمعا قويا في مواجهة مشروع اسرائيل الكبرى.

قبل اكثر من اربعين عاما ميز المفكر المصري الكبير سمير أمين الذي تدرس نظرياته في التنمية في افضل جامعات العالم ، ميز بين نوعين من السياسات التي تنتهجها دول ما يسمى بالعالم الثالث في التحول من التخلف نحو التنمية والتحديث؛ فثمة سياسات سعت للتنمية من خلال التبعية للمراكز ولصانع القرار الغربي بحيث تركت تحديد الاولويات والاحتياجات وحتى الاهداف للخارج، وثمة نمط اخر من السياسات التنموية التي يعود الفضل في اجتراح فكرتها كثيرا لصانع القرار في الصين. ففي هذا البلد ساد نموذج من السياسات التنموية التي يسميها سمير أمين بالسياسات المتمحورة حول الداخل والتي من خلالها يعمل الصيني فيها مع العالم ومع الخارج ولكن وفق اولوياته هو وليس أولويات الخارج. فصانع القرار في الصين كان هو الذي يحدد قائمة القطاعات ونوعية المشاريع التي يحتاجها كي يتم الزام رأس المال الاجنبي الاستثمار بها وليس العكس. ووفق هذا النموذج فانت من تحدد ماذا تريد وماذا تحتاج، ثم تطلب من رغب من العالم بالاستثمار أن يأتي ليستثمر فيما قررته أنت من قطاعات وليس هو.



Source link

السابق
زيارة قائد الجيش الباكستاني ساهمت في تقليص الخلافات في بعض القضايا
التالي
جو 24 : في يوم العلم