كتب -. معن علي المقابلة – في خضم التصريحات المثيرة التي يطلقها دونالد ترامب، يبرز ادعاء لافت مفاده أن حضارة عمرها آلاف السنين يمكن أن تنتهي بين ليلة وضحاها. مثل هذا الطرح لا يعكس فقط تبسيطًا مخلًا لمسار التاريخ، بل يكشف أيضًا عن فهم سطحي لكيفية نشوء الحضارات وتحوّلها عبر الزمن.
التاريخ لا يُقرأ بلحظة، ولا يُختزل في خطاب سياسي عابر. حضارات الشرق، على سبيل المثال، واجهت عبر القرون غزوات من إمبراطوريات عظمى، ومع ذلك لم تنكسر هويتها. فـ الإمبراطورية الرومانية ووريثتها الإمبراطورية البيزنطية، وكذلك الغزو المغولي، دخلت هذه المنطقة بقوة السلاح، لكنها خرجت في نهاية المطاف مثقلة بالهزيمة أو الذوبان الثقافي. الأهم من ذلك أن الحضارة العربية الإسلامية لم تكن مجرد متلقٍ لهذه الصدمات، بل كانت فاعلًا حضاريًا استطاع استيعاب هذه القوى وصهرها ضمن بنيته الثقافية.
محاولة الإسكندر الأكبر فرض نموذج هجين عبر الحضارة الهلنستية تمثل مثالًا مبكرًا على هذا التفاعل؛ فرغم الامتزاج الظاهري بين الشرق والغرب، ظل الطابع الشرقي هو الغالب، محافظًا على استمراريته وتأثيره.
وفي هذا السياق، تحتل الحضارة الفارسية مكانة خاصة؛ فهي لم تكن مجرد حضارة عابرة، بل إحدى القوى المؤسسة للعالم القديم. ومع بزوغ الإسلام، لم تتراجع هذه الحضارة، بل أعادت تشكيل نفسها ضمن أفق أوسع، لتصبح ركيزة من ركائز الحضارة الإسلامية. ويكفي أن نستحضر أسماء مثل ابن سينا، والفارابي، والخوارزمي، وعمر الخيام، وجلال الدين الرومي، والفردوسي؛ هؤلاء لم يكونوا مجرد علماء وأدباء، بل جسورًا حضارية نقلت المعرفة، وعمّقت الفهم، وأثرت الإنسانية جمعاء.
إن ما يميز الحضارة الإسلامية أنها لم تكن حضارة إقصاء، بل حضارة احتواء؛ قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والغزاة إلى شركاء في البناء الثقافي. وهذا ما يفسر قدرتها على الاستمرار والتجدد رغم كل ما واجهته من تقلبات.
قد تُهزم إيران أو العرب في معركة، لكنهما لا تخسران روحهما الوثّابة والخلاقة؛ فكلتاهما تستمد جذورها من مشكاة حضارية واحدة، تشكلت عبر قرون من التفاعل والتراكم. ولذلك، لم يكن التاريخ يومًا سجلًا لانتصارات عسكرية بقدر ما هو سجل لصمود ثقافي طويل. وفي هذا السياق، كثيرًا ما انتهى الغزاة—مهما بلغ بطشهم—إلى الانكسار على أسوار هذه الحضارات، لا عسكريًا فحسب، بل ثقافيًا وحضاريًا، حيث تذوب مشاريعهم أمام عمق الإرث الذي يواجهونه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لشخص قادم من عالم الصفقات والعروض الاستعراضية أن يدرك تعقيدات نشوء الحضارات وسقوطها؟ إن فهم هذه المسارات لا يتحقق بالشعارات، بل بالمعرفة المتراكمة والتأمل العميق. ومن أراد أن يقترب من هذا الفهم، فليعد إلى أعمال ويل ديورانت، وعلى رأسها كتاب قصة الحضارة، حيث يتجلى التاريخ بوصفه عملية إنسانية مركبة، لا حدثًا عابرًا يمكن التنبؤ به في خطاب سياسي.
