أخبار

مراجعة شاملة لتعليم الطب ومساراته المهنية في الأردن #عاجل

مراجعة شاملة لتعليم الطب ومساراته المهنية في الأردن #عاجل


جو 24 :

 

كتب – اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني

تُعيد الحوادث المؤلمة التي تقع داخل البيئات التعليمية الطبية طرح أسئلة لا يمكن تجاوزها أو التعامل معها بوصفها وقائع فردية معزولة. وما حدث داخل مستشفى الجامعة الأردنية قبل اسبوعين لا ينبغي أن يُقرأ كحدث منفصل، بل كلحظة كاشفة تستدعي مراجعة جادة لبنية التعليم الطبي ومساراته المهنية، بهدف فهم الاختلالات ومعالجتها بما يحول دون تكرار مآسٍ مشابهة.

من الحادثة إلى المراجعة: الحاجة إلى تعلّم مؤسسي:

التعامل المسؤول مع مثل هذه الوقائع يقتضي الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق التعلّم المؤسسي. فالتجارب المقارنة في أنظمة التعليم الطبي المتقدمة تُظهر أن الأزمات، مهما كانت مؤلمة، يمكن أن تتحول إلى نقاط تحوّل إذا ما استُثمرت في مراجعة السياسات والممارسات. المطلوب ليس البحث عن تفسير واحد، بل قراءة أعمق للمنظومة التعليمية، من القبول في كلية الطب وحتى سنوات العمل الأولى.

التعليم الطبي بين الصرامة والضغط غير المُدار:

لا جدال في أن تعليم الطب يتطلب صرامة علمية ومهنية عالية، غير أن الفاصل بين الصرامة البنّاءة والضغط المُنهِك يبقى دقيقًا. فحين تتراكم كثافة المناهج، وتتسارع وتيرة التقييمات، ويترافق ذلك مع منافسة حادة وانتقال مبكر إلى بيئات سريرية عالية الحساسية، دون وجود منظومات دعم كافية، قد يتحول الضغط إلى عامل استنزاف بدل أن يكون حافزًا للتطور. هذا التراكم لا يمس التحصيل العلمي فحسب، بل يمتد إلى الصحة النفسية والقدرة على الاستمرار.

الصحة النفسية في كليات الطب ضرورة بنيوية لا خدمة جانبية:

الأدبيات الحديثة في التربية الطبية تؤكد أن معدلات القلق والاكتئاب والاحتراق النفسي بين طلبة الطب أعلى من غيرهم، ما يجعل إدماج الصحة النفسية في صلب العملية التعليمية ضرورة لا خيارًا. فالدعم النفسي لا ينبغي أن يكون خدمة تُقدَّم عند الأزمات فقط، بل جزءًا من منظومة وقائية تشمل متابعة دورية للطلبة، وتدخلًا مبكرًا عند مؤشرات الخطر، وكوادر متخصصة تفهم طبيعة الضغوط المرتبطة بالتدريب الطبي. كما أن بناء ثقافة مؤسسية تشجّع على طلب المساعدة دون خوف من الوصم يمثل عنصرًا حاسمًا في فعالية أي منظومة دعم.

سنوات ما بعد التخرج: حلقة ضغط إضافية:

لا تتوقف التحديات عند حدود التخرج. فسنوات الامتياز والإقامة تمثل مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، يواجه خلالها الأطباء الجدد واقعًا مهنيًا يتسم بساعات عمل طويلة، وضغط سريري مرتفع، ومسؤوليات كبيرة في بيئات قد تكون محدودة الموارد. ويزداد العبء تعقيدًا حين تتقاطع هذه الضغوط مع أوضاع مالية غير مستقرة، تشمل تدني الرواتب أو غيابها أحيانًا، بل وفي بعض الحالات تحمّل الأطباء المتدربين أعباء مالية إضافية مقابل الالتحاق ببرامج الإقامة في بعض المستشفيات التعليمية. هذا الواقع يطرح تساؤلات عميقة حول عدالة المسار المهني واستدامته.

إعادة تصميم المسار من الجامعة إلى الممارسة:

المراجعة المطلوبة لا تقتصر على سنوات الدراسة الجامعية، بل يجب أن تمتد على طول المسار المهني للطبيب. ويتطلب ذلك إعادة النظر في بنية المناهج وآليات التقييم، بما يضمن التوازن بين الكفاءة العلمية والقدرة على التحمّل، إلى جانب تطوير بيئات التدريب السريري لتكون تعليمية داعمة لا ضاغطة أو مُرهِقة. كما يستدعي الأمر تنظيم ساعات العمل خلال مرحلتي الامتياز والإقامة بما يتوافق مع المعايير الدولية، وإعادة تقييم الأطر المالية بما يضمن حدًا أدنى من الاستقرار للطبيب المتدرّب، ويخفف الضغوط الاقتصادية التي قد تتقاطع مع الضغط المهني والنفسي.

نحو بيئة تعليمية إنسانية ومستدامة:

تُظهر التجارب الدولية أن جودة الطبيب لا تُقاس فقط بقدرته على التشخيص والعلاج، بل بقدرته على الاستمرار في بيئة مهنية معقدة دون أن يكون ذلك على حساب صحته النفسية. وهذا يتطلب بيئة تعليمية ومهنية قائمة على التوازن بين التميّز الأكاديمي، والدعم النفسي المؤسسي، والعدالة المهنية، بما يضمن بناء طبيب كفء قادر على العطاء المستمر.

خاتمة، من الألم إلى الإصلاح:

إن ما حدث يجب أن يُقرأ كجرس إنذار يدفع نحو إصلاح هادئ وعميق، لا كواقعة معزولة. فحماية الطبيب تبدأ من حماية الإنسان فيه، منذ لحظة دخوله كلية الطب وحتى سنوات تخصصه الأولى. وإصلاح منظومة التعليم والتدريب الطبي، بما يعيد التوازن بين الصرامة الأكاديمية والاحتواء الإنساني، لم يعد خيارًا إصلاحيًا مؤجلًا، بل ضرورة لحماية مستقبل الأطباء وجودة الرعاية الصحية للمجتمع بأسره.

 



Source link

السابق
حرب الكلفة المفتوحة في الشرق الأوسط #عاجل
التالي
جامعة البترا تنعى والدة نائب رئيس مجلس الأمناء معالي الأستاذ الدكتور رضا شبلي الخوالدة