أخبار

جو 24 : عصر البجاحة

جو 24 : عصر البجاحة


جو 24 :

 

أقلّب بين الإذاعات في جولة استماع سريعة لما يحدث في العالم صباحًا.

خبران فقط كانا كفيلين بأن أرفع صوتي داخل السيارة: ما هذه البجاحة؟!!

في لحظة سياسية تبدو فيها الوقائع أكثر قسوة من اللغة، يتشكل مشهد يمكن وصفه دون مبالغة بـ “عصر البجاحة”

حيث لم تعد السياسات تُخفى خلف خطاب دبلوماسي منمّق بل تُعلن بوضوح صادم

يكاد يختبر حدود ما يمكن للرأي العام العالمي احتماله أو استيعابه.

في هذا السياق يأتي احتفاء إيتمار بن غفير بإقرار تشريعات تتعلق بإعدام الأسرى والمزيد من التطرف العلني.

لم يعد الأمر يتعلق فقط بإجراءات أمنية أو سياسات ردع، بل بتحويل القسوة إلى مادة سياسية قابلة للتسويق الداخلي، بل والاحتفاء الجماهيري.

هنا تتلاشى المسافة بين القانون الذي يُعرف كأداة تنظيم، والقانون بوصفه أداة انتقام!

على الضفة الأخرى من المشهد، يظهر دونالد ترامب بخطاب يعيد صياغة العلاقات الدولية بمنطق الصفقة الصريحة: دعوات لاجتماعات مع دول عربية، ليس على قاعدة الشراكة أو التوازن الاستراتيجي، بل عبر طرح مباشر لتمويل الحرب مع إيران.

هذه المقاربة، التي تختزل الجغرافيا السياسية في معادلات تمويلية، تكشف عن تحوّل في فهم القوة: من نفوذ مبني على التحالفات طويلة الأمد، إلى نفوذ يُدار بمنطق “الدفع مقابل الحماية”.

ما يجمع بين هذين المشهدين ليس فقط التزامن، بل البنية الذهنية التي تحكمهما.

في كلا الحالتين، نحن أمام خطاب لا يخجل من نفسه، بل يتعمد الصدمة.

خطاب يُدرك أن تجاوز الخطوط الحمراء لم يعد مكلفًا كما في السابق، بل قد يكون مربحًا سياسيًا، في زمن تتآكل فيه المعايير الأخلاقية لصالح حسابات القوة والشعبوية.

“عصر البجاحة” ليس توصيفًا انفعاليًا، بل توصيف لمرحلة تتراجع فيها اللغة الرمزية لصالح اللغة الفجّة. لم يعد السياسي بحاجة إلى التورية أو الغموض؛ بل على العكس، كلما كان أكثر مباشرة وصدامية، زادت قدرته على حشد جمهور يرى في هذه الصراحة نوعًا من “الصدق”، حتى وإن كانت محمولة على العنف أو الإقصاء.

الإعلام، بدوره، يجد نفسه أمام معضلة مركبة

فهل يكتفي بالنقل، أم يمارس دورًا نقديًا يفضح هذا التحول؟

في ظل اقتصاد الانتباه، تميل المنصات إلى تضخيم التصريحات الأكثر إثارة، ما يخلق حلقة تغذية راجعة تعزز هذا النمط من الخطاب.

وهكذا، لا يصبح التطرف مجرد موقف، بل استراتيجية تواصل ناجحة.

في المحصلة، ما يجري ليس مجرد أحداث متفرقة، بل مؤشرات على إعادة تشكيل المجال السياسي العالمي: عالم تُدار فيه الأزمات بقدر أقل من الحياء السياسي، وبقدر أكبر من العلنية الصادمة. عالم يُكافأ فيه من يرفع السقف، لا من يحاول تهدئته.

إنه ببساطة عصر البجاحة..حيث لا يُقال كل شيء فقط بل يُقال بلا تردد وبلا خوف من العواقب.

 



Source link

السابق
ابو عبيدة يدعو المقاومة في لبنان لتكثيف جهودها في أسر جنود صهاينة
التالي
المخزون الدوائي يغطي احتياجات المملكة لأكثر من 6 شهور