كتب د. لبيب قمحاوي –
الحديث في شؤون الحرب الدائرة الآن و التي ابتدأت كعدوان أمريكي/إسرائيلي غادر على إيران يتم تبريرها حالياً من قبل إسرائيل و أمريكا بما يتناقض بشكل صارخ مع الحجج التي تسوقها إسرائيل في عدوانها المستمر على الشعب الفلسطيني ودول الجوار. وهكذا نعيش الآن بشكل مضحك ومبكي ونحن نشاهد كيف تقوم إسرائيل وأمريكا بتطويع القانون الدولي واستعمال نفس المبررات بشكل متناقض وكما تريد وبما يناسب مصالحها بغض النظر عن الحقائق وعن متطلبات ومحددات القانون الدولي.
يتم تعامل الكثيرين مع ما يجري الآن بعيون الماضي و مقاييسه و ينظرون إلى المستقبل بالتالي بذلك المنظور الذي ينتمي إلى الماضي و قوانينه. وهذا لن يوصلهم إلى حقيقة ما يجري و ما تهدف إليه هذه الحرب في أصولها الهادفة إلى خلق واقع دولي جديد من خلال تغييرات إقليمية تهدف إلى تكريس هيمنة أمريكا على العالم و تكريس نظام القطب الواحد بعد أن أظهرت الصين أنها تملك ما يؤهلها للإقتراب من كونها قطب دولي آخر. وقد تطلب هذا الأمر تحويل إسرائيل إلى قوة عسكرية و سياسية إقليمية لتمكين أمريكا من تنفيذ مخططها في البقاء على رأس عالم أحادي القطبية، وهذا ما حصل من خلال الحرب على غزة ابتداء والتي تم استعمالها لتدريب قوات إسرائيل العسكرية على ما هو قادم في إيران علماً أن الصين حريصة على عدم جرها إلى هذه الحرب دون أن تكون جاهزة لتحمل نتائجها و تبعاتها.
بغض النظر عن ما تسوقه أمريكا وإسرائيل من تبريرات، فإن هذه الحرب تبقى ذات خلفية غامضة بأهدافها الحقيقية غير المعلنة ولن يوقفها النشاط العسكري الحربي قبل وصولها إلى أهدافها المخفية تلك، بل إن ما قد يوقفها حقيقة هو العامل الاقتصادي الذي سوف يشمل بالضرورة التضخم داخل أمريكا والآثار المدمرة على التجارة العالمية بشكل عام وسوق النفط وحركة النقل البحري والجوي بشكل خاص.
العذر الأمني لشن الحرب على إيران يمكن استعماله بسهولة من قبل أي دولة ضد أي دولة أو دول أخرى لتبرير العدوان عليها. ولكن الأهداف الخفية للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران هي في أصولها أهداف مخجلة كونها استغلالية وجائرة إلى الحد الذي لا يمكن تبريرها أو الإفصاح عنها علانية كسبب حقيقي لشن تلك الحرب.
إن المحافظة على النظام الدولي القائم حالياً و هو أحادي القطبية وتحويله إلى نظام دولي جديد متعدد الأقطاب يستدعي في العادة وبالضرورة وتقليدياً قيام حرب عالمية عسكرية على نطاق واسع يضاف إليها الآن إما حرب عالمية اقتصادية دولية أو حرب عالمية تكنولوجية أو حرب عالمية على الموارد الطبيعية الآخذة في التناقص أو مزيج مبعثر من هذا وذاك. ما نعيشه هذه الأيام على أية حال هو مزيج من كل ذلك ونتائجه تهدف إلى السيطرة والاستغلال وليس بالضرورة إلى الاحتلال بالمفهوم التقليدي إلا إذا كان ذلك الاحتلال يهدف إما لبسط السيطرة المنشودة في حال وجود مقاومة أو لحماية السيطرة بشكل كامل و فعَّال و مستمر.
إن تغيير المعالم السياسية لمنطقة الشرق الأوسط يهدف إلى تكريس و حماية النفوذ الإقتصادي و السياسي لأمريكا من خلال اسرائيل القوية و المسيطرة على المنطقة. إن تغيير معالم الشرق الأوسط و إعادة تشكيله تحت القيادة الإسرائيلية يهدف إلى إعادة خلق عهود الاستعمار من خلال نوع جديد من العلاقة بين الأمم تقوم على تكريس تبعية الأقل قوة لصالح الأكثر قوة أو الدول المستسلمة طوعا لإرادة الدول الأكثر قوة.
لا تحمل الحرب الدائرة الآن أي شظايا سلام لمستقبل المنطقة الشرق أوسطية. فما بُنِيَ بالقوة لا يمكن أن يستمر للأبد إلا من خلال حمايته بالقوة العسكرية باستمرار. ولكن في ظل الغياب المتنامي لمفهوم الاحتلال التقليدي لصالح السيطرة عن بعد، يصبح استبدال الاحتلال الأجنبي بخيار تنصيب أنظمة حكم خانعة و موالية للسيطرة الأجنبية هو البديل و الوسيلة المتوقعة لاستبدال الاحتلال التقليدي في حال ما تم استعماله في نهاية الأمر للوصول إلى الأهداف المنشودة.
الآن ونحن نقترب من بدايات الأسبوع الرابع لهذه الحرب المقيتة، علينا أن نعترف بأنها قد تجاوزت في آثارها البعد الإقليمي إلى البعد الدولي الأمر الذي قد يجعل منها أمراً خطيراً على مستقبل العالم. والتطور الأهم أنها قد فتحت الطريق أمام تحويل العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية من علاقة ثنائية حصراً إلى علاقة تَمَس العديد من دول العالم وتجعل منها أمراً متعدد الأطراف في أهدافها ونتائجها وتبعاتها ويقضي نهائياً على أكذوبة إسرائيل الضعيفة المسالمة التي يهددها جيرانها بالفناء كونها قد أثبتت أنها وحشاً ذا مطامع إقليمية قد تهدد السلام العالمي.
إن نتائج هذه الحرب سوف تكون أكبر من حجمها الحالي. فحرب إسرائيل على كامل الأرض اللبنانية تهدف إلى إبقاء أجواء الحرب في المنطقة قائمة ومستمرة منذ الحرب على غزة بشكل يجعل من أي قرار أمريكي بوقف الحرب على إيران أمراً بلا معنى حقيقي نظراً لاستمرار أجواء الحرب قائمة في منطقة الشرق الأوسط وانخراط أمريكا المباشر أو غير المباشر فيها بحجة الحفاظ على أمن إسرائيل من خلال القضاء على حزب الله في حين أن واقع الأمر والهدف الحقيقي هو إخضاع لبنان لسيطرة إسرائيل تماماً كما تم إخضاع سوريا لسيطرة إسرائيل.
على العرب أن يعوا خطورة سقوط إيران على مصالحهم الإستراتيجية كعالم عربي لأن ذلك يعني عملياً انفراد إسرائيل بالسيطرة على منطقة الشرق الأوسط دون وجود قوة أخرى موازية لإسرائيل لوقفها ومنعها من الانفراد بفرض إرادتها على دول المنطقة. ومصالح تركيا كقوة إقليمية يزداد ارتباطها بحلف الناتو، ولن تخوض حرباً بصفتها تلك مع إسرائيل دفاعاً عن العرب. وأمريكا، كما أثبتت الأحداث، لن تقف مع حلفائها العرب ضد المصالح الإسرائيلية مهما كانت الأسباب وتحت كافة الظروف مما يضع العرب أمام خيارين أحدهما السقوط والانصياع لإسرائيل والخيار الآخر إعادة بناء الذات العربية المستقلة والقادرة على التصدي لكافة محاولات السيطرة والهيمنة على الأمر العربي وعلى مستقبل العرب ومصالحهم.
