كتب زياد فرحان المجالي –
في الشرق الأوسط نادرًا ما تبقى الحروب محصورة داخل حدود الدول التي تبدأها. فطبيعة الجغرافيا السياسية للمنطقة، وتشابك التحالفات الإقليمية، ووجود شبكات نفوذ عسكرية وسياسية عابرة للحدود، تجعل أي مواجهة كبرى قابلة للتوسع بسرعة. وهذا ما يبدو واضحًا اليوم في الحرب المتصاعدة بين إسرائيل وإيران، والتي بدأت تدريجيًا تتجاوز إطار المواجهة الثنائية لتتحول إلى أزمة إقليمية أكثر تعقيدًا.
خلال الأسابيع الأخيرة لم تعد المواجهة مجرد تبادل ضربات عسكرية بين دولتين، بل تحولت إلى واقع أمني يلامس عدة دول في المنطقة بشكل مباشر أو غير مباشر. إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وعمليات الاعتراض المتكررة لأنظمة الدفاع الجوي، والهجمات التي طالت منشآت اقتصادية وبنية تحتية، كلها مؤشرات على أن مسرح العمليات بدأ يتوسع تدريجيًا.
في هذا السياق تبدو منطقة الخليج العربي إحدى الساحات الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فهذه المنطقة تمثل مركزًا حيويًا للاقتصاد العالمي بسبب منشآت الطاقة والموانئ الاستراتيجية وحركة التجارة الدولية. ولهذا فإن أي توتر عسكري فيها لا يقتصر تأثيره على الدول المعنية فقط، بل يمتد ليشمل الأسواق العالمية وأسعار الطاقة.
يمكن قراءة استهداف الخليج كجزء من محاولة إيرانية لنقل مركز الضغط من ساحة المواجهة المباشرة إلى المصالح الأمريكية الأوسع في المنطقة. فإيران تدرك أن أمن الخليج مرتبط بشكل وثيق بحسابات واشنطن الاستراتيجية، وأن أي تهديد لهذه المنطقة قد يخلق ضغطًا سياسيًا واقتصاديًا على الولايات المتحدة.
لكن هذه المعادلة تحمل مفارقة واضحة. فكلما ازداد التهديد المباشر لدول الخليج، ازداد اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة، وهو ما قد يؤدي عمليًا إلى تعميق التحالفات الأمنية في المنطقة بدل إضعافها.
في الوقت نفسه بدأت تداعيات الحرب تلامس دولًا أخرى في المنطقة. فالأردن، الذي اعتاد خلال العقود الماضية إدارة توازن دقيق في علاقاته الإقليمية، وجد نفسه في الأيام الأخيرة داخل دائرة التوتر بعد سقوط صواريخ وطائرات مسيّرة داخل أراضيه. هذا التطور يعكس اتساع رقعة المواجهة ويؤكد أن الحرب لم تعد بعيدة عن حدود المملكة.
بالنسبة للأردن يمثل هذا الواقع تحديًا معقدًا. فالمملكة تقع في قلب منطقة تعيش توترات متكررة، ولذلك فإن أي صراع إقليمي واسع يحمل تداعيات مباشرة على أمنها واستقرارها.
أما في لبنان فيبدو المشهد أكثر حساسية. فالبلاد التي تعاني أصلًا من أزمة اقتصادية وسياسية عميقة تجد نفسها أمام احتمال اتساع الحرب نحو الشمال. وفي هذا السياق يبدو حزب الله أمام معادلة صعبة: فالتصعيد الكامل يحمل مخاطر كبيرة على لبنان، بينما البقاء خارج المواجهة تمامًا ليس خيارًا بسيطًا أيضًا.
في الساحة السورية أيضًا تظهر تحركات سياسية وعسكرية تثير تساؤلات حول شكل التوازنات الإقليمية في المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل وجود عدة قوى دولية وإقليمية داخل البلاد.
كل هذه التطورات تشير إلى أن الحرب بين إسرائيل وإيران لم تعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحولت إلى اختبار إقليمي واسع لقدرة دول المنطقة على إدارة التوازنات الأمنية والسياسية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
