العلم ليس مجرد قطعة قماش تُرفع، ولا لونٍ يُزيّن السماء في مناسبة عابرة، بل هو خلاصة وطن، ورمز كرامة، وعنوان هويةٍ يتفيأ تحت ظلاله جميع أبناء الوطن. هو صورة جامعة لا تُفرّق، ودلالة سيادة لا تُختزل، وقيمة معنوية نحبها، ونقدّرها، ونفديها بأرواحنا؛ لأنه يمثل الأردن، أرضًا وإنسانًا، تاريخًا ومستقبلاً.
غير أن حبّ العلم، من وجهة نظرٍ صادقة تنطلق من عمق الانتماء، لا يجب أن يُختزل في مظاهر آنية أو اندفاعات عاطفية سرعان ما تخبو بانتهاء المناسبة. فليس الحب الحقيقي أن نرفع الأعلام في الشوارع وننشر الصور والشعارات بخطوط طويلة نتسابق فيها لإثبات الولاء، ثم ينتهي كل شيء مع انقضاء اللحظة. حبّ الوطن والعلم أعمق من ذلك بكثير، وأصدق أثرًا وأبقى حضورًا.
إن للوطن روافد حقيقية نعبر بها عن هذا الحب، روافد تُترجم إلى أفعال ذات مردود إيجابي على حياة المواطن ومسيرة الدولة. ففي بلدٍ كالأردن، يشكو ضيق اليد الاقتصادية، فإن ترشيد الإنفاق، وصون المال العام، وعفة النفس عن مدّ اليد إلى المنافع الخاصة، هو التعبير الأصدق عن حب العلم. أن نحافظ على مقدرات الوطن، لا أن تمتد إليها الأيدي، هو أول امتحانٍ للانتماء الحقيقي.
وفي وطنٍ نعاني فيه من المحسوبية والواسطة، فإن الترفّع عنهما هو موقف وطني أصيل، أشد صدقًا من حمل العلم دون الالتزام بقيمه. فالمواطنة الحقة لا تُقاس بارتفاع الرايات، بل بمدى التزامنا بالعدالة والنزاهة. والابتعاد عن الفساد وهدر المال العام هو أسمى صور الاحترام للعلم، وأصدق من الاستظلال به دون وعيٍ بمعانيه.
كما أن العناية بالبنية التحتية، والاهتمام بإعمار الوطن وتطويره، هو حب عملي للعلم، يفوق في أثره كل مظاهر الإسراف التي تُنفق باسم الاحتفال. ولعل من المؤلم أن تُصرف الأموال على مظاهر احتفالية كان بالإمكان توجيهها نحو مشاريع تنموية ترفع من قيمة المواطن، وتعزز من كرامته، وتجعل من العلم رمزًا حيًا ينعكس في جودة الحياة لا في لحظات احتفال عابرة.
إن الإخلاص في العمل، والصدق في الأداء، والقيام بالواجبات بأمانة، هو حب يومي للعلم، لا يرتبط بمناسبة، ولا ينتظر مناسبة. فالعلم يُصان حين يصحو الضمير، في كل موقع، وفي كل مسؤولية، وفي كل قرار.
وتغليب المصلحة العامة على المصالح الخاصة هو جوهر الانتماء، وهو التعبير الأصدق عن الوفاء للعلم. كما أن صيانته الحقيقية تكون في الوحدة الوطنية، تلك التي يتفانى بها الأردنيون في حماية وطنهم، بعيدًا عن كل ما يُفرّق أو يُضعف.
هكذا يكون حب الوطن، وهكذا تُفهم رمزية العلم. ليس شعارات تُرفع، بل قيم تُمارس. ليس لحظة احتفال، بل سلوك حياة.
نحن نحب هذا العلم حبًا لا يُزايد عليه أحد، نحبه كما نحب أنفاسنا التي تُعدّ علينا، لأننا من هذا الوطن، وإليه ننتمي. فلا يعلو صوت الزيف فوق صوت الحقيقة، ولا يتقدّم من يدّعي الحب على من يُجسّده فعلًا.
في يوم العلم، نُحيّي الراية، نعم… لكننا، قبل ذلك، نُحيّي المعنى.
