أخبار

هل يتطور التقارب المصري–التركي إلى شراكة إقليمية مؤثرة؟

هل يتطور التقارب المصري–التركي إلى شراكة إقليمية مؤثرة؟


جو 24 :

  كتب – زياد فرحان المجالي

يستحق التقارب المصري–التركي قراءة هادئة تتجاوز الانطباعات السريعة، لأن العلاقة بين القاهرة وأنقرة ليست شأنًا ثنائيًا عاديًا، بل ملف يرتبط مباشرة بطبيعة التوازنات في شرق المتوسط والإقليم العربي الأوسع. ومن هنا، فإن أي تحسن في هذه العلاقة لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد تفصيل دبلوماسي، كما لا يجوز في الوقت نفسه المبالغة في وصفه باعتباره تحالفًا مكتملًا قبل أوانه.

لقد شهدت العلاقة بين البلدين خلال سنوات سابقة مستويات مرتفعة من التوتر السياسي، انعكست على عدد من الملفات الإقليمية الحساسة، وعلى طبيعة التموضع المتبادل لكل منهما. لكن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة فرضت معادلات مختلفة. فملفات الطاقة، والممرات البحرية، والأمن الإقليمي، وإعادة ترتيب الاصطفافات، كلها عوامل دفعت الدول الرئيسية إلى مراجعة كثير من حساباتها، بما في ذلك حسابات الخصومة والتهدئة والتعاون.

في هذا السياق، يبدو التقارب بين القاهرة وأنقرة تعبيرًا عن منطق جديد تحكمه المصالح أكثر مما تحكمه الاعتبارات الأيديولوجية أو الاصطفافات السابقة. فمصر تنطلق من موقع الدولة المركزية التي تنظر إلى الاستقرار الإقليمي بوصفه امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي ولدورها السياسي. وتركيا، من جهتها، تبدو أكثر إدراكًا لحقيقة أن إدارة علاقاتها مع القوى الأساسية في المنطقة، وفي مقدمتها مصر، باتت شرطًا مهمًا لبناء نفوذ أكثر توازنًا واستدامة.

هذا لا يعني أن العلاقة وصلت بالفعل إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الكاملة. فما يزال هناك فارق واضح بين تقارب سياسي جاد ومحور إقليمي مكتمل. الأول يمكن رصده في اللغة السياسية، وفي مسار التهدئة، وفي محاولات بناء أرضية مشتركة. أما الثاني فيتطلب ما هو أبعد من ذلك: يحتاج إلى تفاهمات مستقرة، وآليات تنسيق واضحة، وقدرة على تحويل المصالح المشتركة إلى سياسات قابلة للاستمرار.

أهمية هذا المسار تنبع من وزن الطرفين. فمصر تمثل ركيزة عربية أساسية في معادلات المنطقة، وتركيا لاعب إقليمي مؤثر يمتلك حضورًا مباشرًا في أكثر من ملف. ومن ثم، فإن أي تقارب مستمر بينهما ستكون له انعكاسات على توازنات المتوسط، وعلى بعض مسارات العمل العربي والإقليمي، وربما على شكل إدارة الأزمات في المرحلة المقبلة. ولهذا فإن الملف يستحق المتابعة بوصفه مؤشرًا على تغير أوسع في مناخ الإقليم.

في المقابل، تظل الواقعية مطلوبة. فالعلاقات بين الدول لا تقاس فقط بمرحلة الانفتاح الأولى، بل بقدرتها على الاستمرار حين تواجه ملفات معقدة واختبارات عملية. ولهذا فإن الحكم النهائي على هذا المسار يجب أن يبقى مرتبطًا بما إذا كان الطرفان قادرين على الانتقال من مرحلة تحسين المناخ إلى مرحلة بناء المصالح المشتركة المؤسسية.

مع ذلك، فإن مجرد الانتقال من القطيعة إلى الحوار، ومن التوتر إلى إدارة أكثر انضباطًا للخلاف، يمثل تطورًا مهمًا في حد ذاته. كما أنه يعكس ميلًا إقليميًا أوسع نحو البراغماتية، وإعادة ترتيب العلاقات على قاعدة تقليل كلفة الصدام وزيادة مساحات التفاهم حيثما أمكن.

الخلاصة أن الحديث عن تقارب مصري–تركي لم يعد مجرد فرضية نظرية، بل أصبح واقعًا سياسيًا قابلًا للرصد. لكن وصفه بمحور مكتمل لا يزال يحتاج إلى مزيد من الوقت والاختبار. الأدق، في هذه المرحلة، هو القول إننا أمام مسار واعد قد يتطور إلى شراكة مؤثرة إذا نجح الطرفان في تثبيت هذا الاتجاه وترجمته إلى تعاون عملي ومستدام.

وفي حال حدث ذلك، فإن المنطقة ستكون أمام تحول مهم في خريطتها السياسية. أما إذا بقي المسار في حدوده الحالية، فإنه سيظل مع ذلك مؤشرًا مهمًا على أن الإقليم يتجه تدريجيًا إلى إعادة تعريف أولوياته، وإلى بناء علاقات أكثر ارتباطًا بالمصلحة وأقل خضوعًا لثقل الخصومات السابقة.



Source link

السابق
تقنية جديدة تعلم جهاز المناعة قبول الكبد المزروع دون أدوية
التالي
الأردن يمتلك ثلاثة أنواع من اليورانيوم وفرصة استراتيجية لتوليد الكهرباء