
د. #فيصل_القاسم
أثار تحذير نُسب إلى محللة سابقة في #بنك_إنكلترا، دعت فيه البنك إلى الاستعداد لاحتمال « #كشف_أمريكي وشيك» عن وجود #كائنات_فضائية، موجة واسعة من الجدل والسخرية والقلق في آن واحد. للوهلة الأولى يبدو الخبر أقرب إلى مادة خفيفة لوسائل الإعلام الصفراء، لكن التوقف عنده بجدية يكشف مسألة أعمق بكثير من سؤال: هل #الفضائيون موجودون أم لا؟ السؤال الحقيقي هو: كيف ولماذا تتسلل فرضيات هشة إلى نقاشات يُفترض أنها عقلانية ومؤسسية؟
ما صدر لم يكن بياناً رسمياً من بنك إنكلترا، ولا سياسة معتمدة، بل رأي شخصي لمحللة سابقة تحدثت عن احتمال ما يُعرف في علم الاجتماع بـ«الصدمة الوجودية»، أي الارتباك النفسي الجماعي الذي قد يصيب المجتمعات إذا انهارت افتراضاتها الكبرى حول طبيعة العالم والإنسان. الفكرة التي طُرحت تقول إن إعلاناً رسمياً من حكومة كبرى عن وجود ذكاء غير بشري قد يهز الثقة بالمؤسسات، ويؤدي إلى اضطرابات مالية وسلوكية في الأسواق.
لكن ما يتم تجاهله هنا هو أن مفهوم «الصدمة» لا يعمل في فراغ. المجتمعات لا تتفاعل مع الأحداث بناءً على طبيعتها فقط، بل بناءً على مستوى الثقة بالمؤسسات التي تعلنها. المشكلة الحقيقية اليوم ليست في احتمال وجود حياة خارج الأرض، بل في تآكل الثقة بين المواطن والدولة، وبين الجمهور والخطاب الرسمي. في عالم يشعر فيه الناس أن الحكومات تخفي، وتراوغ، وتكذب، يصبح أي إعلان غير مألوف قابلاً لإثارة الهلع، لا بسبب مضمونه، بل بسبب الشك العميق في نوايا من يعلنه. بهذا المعنى، فإن الخطر لا يكمن في «الكشف» ذاته، بل في البيئة السياسية والإعلامية التي سيقع فيها. لو كانت الثقة متماسكة، لمرّ الخبر ـ مهما كان غريباً ـ ضمن نقاش علمي هادئ، لا كشرارة فوضى.
حتى هذه النقطة، يبدو الطرح نظرياً لا أكثر. فالبنوك المركزية، بطبيعتها، تدرس سيناريوهات غير متوقعة وتُجري اختبارات ضغط لأسوأ الاحتمالات. لكن الخلل يبدأ عندما نقفز من «التحوط للمجهول» إلى «الاستعداد لفرضية بلا أساس علمي». هنا يصبح السؤال عن المنهج، لا عن الخيال.
الأزمات المتلاحقة، من الجائحة إلى التضخم والحروب وتغير المناخ، جعلت المجتمعات تتوقع دوماً «الحدث الصادم التالي»
الخلط الشائع في هذا النقاش يتمثل في مساواة الحديث الأمريكي المتكرر عن «الظواهر الجوية غير المفسّرة» بما يُسمى شعبياً «الكائنات الفضائية». الولايات المتحدة نفسها، في تقارير وزارة الدفاع والكونغرس، تؤكد مراراً أن عدم القدرة على تفسير ظاهرة ما لا يعني أنها قادمة من خارج الأرض. تاريخ العلم مليء بأمثلة عن ظواهر بدت غامضة ثم تبيّن لاحقاً أنها أخطاء رصد، أو تقنيات سرية، أو ظواهر طبيعية لم تكن مفهومة وقتها. حتى الآن، لا يوجد دليل علمي واحد موثّق يؤكد زيارة ذكاء غير بشري للأرض.
لكن لماذا تلقف الناس هذا التحذير بهذه السرعة؟ لأننا نعيش عصراً يعاني من إنهاك معرفي. الأزمات المتلاحقة، من الجائحة إلى التضخم والحروب وتغير المناخ، جعلت المجتمعات تتوقع دوماً «الحدث الصادم التالي». ومع تآكل الثقة بالسياسة والإعلام، يصبح الخيال الكارثي أكثر جاذبية من التحليل البارد. في هذا المناخ، لا يعود مستغرباً أن تتحول فرضية هامشية إلى نقاش جاد، لا بسبب قوتها، بل بسبب هشاشة البيئة التي تستقبلها.
الخطر الحقيقي هنا ليس في الحديث عن الفضائيين، بل في انزلاق المؤسسات إلى التعامل مع المخاوف النفسية كما لو كانت مخاطر قابلة للقياس. إدارة المخاطر تقوم على الاحتمال، والسوابق، والبيانات. أما إدارة المخاوف، فتعتمد على الانطباع والقلق والضجيج الإعلامي. عندما تختلط الأداتان، تفقد المؤسسات بوصلتها.
البنوك المركزية بالفعل تدرس سيناريوهات قاسية: انهيار أنظمة الدفع، هجمات سيبرانية واسعة، حروب كبرى، أوبئة، أزمات طاقة. كل هذه السيناريوهات لها جذور واقعية أو سوابق تاريخية. أما سيناريو «إعلان وجود كائنات فضائية»، فلا يملك إطاراً علمياً ولا قانونياً ولا اقتصادياً واضحاً، ولا يمكن تقدير أثره أو احتماله بشكل جدي. إدخاله في نفس سلة المخاطر ليس دليلاً على الحكمة، بل على ضعف ترتيب الأولويات.
حتى لو افترضنا جدلاً حدوث إعلان علمي عن وجود حياة ذكية في الكون، وهو أمر لا ينكره العلماء أصلاً، فإن هذا لا يعني بالضرورة انهيار الأسواق أو توقف النظام المالي. البشرية استوعبت عبر تاريخها صدمات فكرية كبرى: مركزية الشمس، نظرية التطور، السلاح النووي، الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي. كل مرة، حدث ارتباك ونقاش، لكن النظام الاجتماعي والاقتصادي لم ينهَر بسبب فكرة جديدة، بل تكيف معها.
في النهاية، هذا الجدل يقول الكثير عن عصرنا. نحن نبحث عن صدمة كونية تفسر فوضانا الأرضية. نُسقِط قلقنا على السماء لأننا فقدنا الثقة بالأرض. تحذير المحللة السابقة يعكس حالة ثقافية ونفسية أكثر مما يعكس خطراً مالياً حقيقياً. والسؤال الذي يستحق الطرح ليس: هل يجب أن نستعد لوصول الكائنات الفضائية؟ بل: هل لا تزال مؤسساتنا قادرة على التمييز بين التخطيط العقلاني والانجرار وراء الضجيج؟
كاتب واعلامي سوري
falkasim@gmail.com

