
هل بدأت #الحرب_الأمريكية_الصينية على #كوكب_الأرض؟
كتب .. د. #فيصل_القاسم
من السذاجة ابتلاع الرواية الأمريكية التي تبرّر تدخلها في فنزويلا بذريعة ملاحقة رئيس متهم بالاتجار بالمخدرات أو بانتهاك حقوق الإنسان. من يمكنه أن يصدق هذه السخافات فعلاً؟
ومن يتخيّل أن واشنطن فجأة أصبحت حريصة على المتظاهرين في شوارع إيران وتريد حمايتهم من نظام الملالي؟ لا يقتنع بهذه الحكايات إلا المهابيل فقط. فالدوافع الحقيقية أعمق بكثير، وأخطر بكثير، من هذه التبريرات الممجوجة المستهلكة التي تُستخدم كغطاء سياسي لا ينطلي حتى على تلاميذ المدارس. إنها الحرب العملاقة التي بدأت بشكل جدي بين أمريكا والصين.
لم يعد الصراع بين واشنطن وبكين قابلاً للفهم من خلال لغة التجارة أو الرسوم الجمركية. ما يجري اليوم هو مواجهة أعمق بكثير، مواجهة حول من يمتلك مفاتيح تشغيل العالم في العقود المقبلة. الطاقة تقف في قلب هذا الصراع، لكنها ليست الهدف النهائي بقدر ما هي وسيلة لضبط ميزان القوة. واشنطن تدرك أن بكين لم تعد مجرد «مصنع كبير»، بل قوة بنيوية قادرة على بناء سلاسل توريد بديلة تجعل خنقها أصعب من أي وقت مضى. لهذا تسعى الولايات المتحدة للسيطرة على كل نقطة ضعف صينية محتملة، وفي مقدمتها اعتماد الصين على استيراد الطاقة والمواد الاستراتيجية. الطاقة ليست مجرد محروقات، بل شرط وجود لأي اقتصاد. الولايات المتحدة لا تحتاج النفط بقدر حاجتها للتحكم بمن يحتاجه. من يملك صمام الطاقة يملك إيقاع النمو العالمي كله. الصين تعتمد على الاستيراد لتغطية الجزء الأكبر من احتياجاتها، وهذه نقطة الضعف التي تعمل واشنطن على ضربها بتشتيت مصادر إمدادها أو وضعها تحت نفوذ مباشر. وهنا يتداخل العامل المالي: فبيع النفط بغير الدولار يهدد أساس القوة الأمريكية. أي محاولة صينية لبناء نظام مدفوعات خارج قبضة الدولار تُعامل كتهديد استراتيجي. لذلك تضغط واشنطن لمنع الصين من شراء الطاقة بعملتها أو توقيع اتفاقيات تقلب معادلة الدولار التي رسخت النفوذ الأمريكي لعقود.
واشنطن لم تعد تنظر إلى المنافسة الاقتصادية بوصفها لعبة نسب نمو أو حجم صادرات، بل بوصفها معركة لإعادة توزيع الجغرافيا الصناعية
وتزداد الصورة وضوحاً حين ننظر إلى محاولات الولايات المتحدة إعادة هندسة الجغرافيا الاقتصادية للعالم بحيث تصبح حركة السلع والمعادن والطاقة أقل حرية من السابق، وأكثر خضوعاً لاعتبارات النفوذ. واشنطن لا تستهدف تعطيل الصين فحسب، بل إعادة رسم خريطة الإنتاج العالمية كلها. مشاريع مثل الشراكات الجديدة مع الهند، وتوسيع النفوذ في أفريقيا، ومحاولات تطويق الممرات البحرية التي تعتمد عليها بكين، كلها تأتي في سياق واحد: تفكيك الشبكة التي بنتها الصين خلال العقدين الماضيين عبر مبادرة الحزام والطريق.
والفقرة الإضافية هنا تكشف جانباً آخر قلّما يُناقش: وهو أن واشنطن لم تعد تنظر إلى المنافسة الاقتصادية بوصفها لعبة نسب نمو أو حجم صادرات، بل بوصفها معركة لإعادة توزيع الجغرافيا الصناعية نفسها. ما تقوم به الولايات المتحدة ليس مجرد محاولة عزل الصين، بل محاولة نقل الإحساس بالعجز إليها. فبدلاً من أن تنتظر واشنطن أن تستيقظ يوماً وتجد العالم مرتبطاً ببكين عبر ممرات وطاقة ومعادن تُدار من خارج نفوذها، بدأت تفكك هذا الارتباط حيثما وُجد. الضغط على شركات التكنولوجيا كي تغادر الصين، محاولة بناء «سلاسل توريد ديمقراطية»، دعم حكومات مستعدة لتقليص النفوذ الصيني، تشجيع دول جنوب شرق آسيا على استقبال المصانع التي تغادر البر الصيني، خلق بدائل نقل وموانئ جديدة- كل هذا ليس اقتصاداً، بل هندسة نفوذ. الصين ترى ذلك بوضوح، وتحاول مضادته عبر تعميق وجودها في أفريقيا وآسيا الوسطى، وتوسيع نفوذها التكنولوجي بحيث يصبح العالم محتاجاً لها بقدر حاجتها إلى موارده. واشنطن من جهتها تريد أن تجعل صعود الصين مكلفاً، وأن تُبقي مفاصل النظام العالمي مرهونة بقرار أمريكي. كل ممر وكل معدن وكل خط شحن تتحكم به الولايات المتحدة يعني عاماً إضافياً من إبطاء التحول في ميزان القوى. لهذا لا يمكن فهم ما يجري في الشرق الأوسط أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية من دون رؤية هذا السياق الأكبر: صراع على الخريطة قبل أن يكون صراعاً على الأرقام.
ومن هنا نفهم ما حدث في فنزويلا التي كانت مشكلتها الحقيقية أنها بدأت بيع النفط بالصيني وباليوان تحديداً. وكذلك في إيران التي تحاول واشنطن منعها من أن تصبح محطة طاقة بديلة للصين. والشيء نفسه ينطبق على سباق المعادن الاستراتيجية، حيث تحاول الولايات المتحدة إضعاف الوجود الصيني في تشيلي والكونغو وأستراليا، لأن هذه المواد هي عماد الذكاء الاصطناعي والتقنيات العسكرية. وحتى غرينلاند لم تكن استثناءً، فهي كنز من المعادن، والصين سبقت إليه، ما جعل واشنطن تعتبر الجزيرة فجأة «قضية أمن قومي». في النهاية نحن أمام صراع طويل، صراع على الطاقة والعملة والمعادن والممرات البحرية وسلاسل الإمداد. واشنطن تحاول تأخير لحظة صعود الصين قدر ما تستطيع، بينما تعمل بكين على بناء عالم لا تستطيع الولايات المتحدة التحكم بمفاتيحه.
كاتب واعلامي سوري
falkasim@gmail.com

