على أبواب جلسة حاسمة يعقدها مجلس عمداء جامعة اليرموك يوم غدٍ الأربعاء لمناقشة تعليمات حوافز النشر العلمي، يقف السؤال الكبير أمام الجميع: هل تكون هذه الجلسة نقطة تحوّل حقيقية في مسار البحث العلمي، أم مجرد تعديل شكلي لا يمسّ جوهر المشكلة؟
حين وُضعت تعليمات الحوافز، كان الهدف واضحًا ونبيلًا: تحفيز الباحثين أولًا، والارتقاء بنوعية مخرجات البحث العلمي ثانيًا، عبر النشر في المجلات العالمية المرموقة، وإصدار الكتب في دور النشر الدولية المعترف بها. لكن الواقع المؤلم يقول إن نسبة الإنتاج العلمي قياسًا بعدد أعضاء هيئة التدريس ما تزال متدنية جدًا؛ إذ تشير الإحصاءات إلى أن المعدل يقل عن بحث واحد لكل عضو هيئة تدريس، و بحدود 0.6 بحث سنويًا تقريبًا لكل عضو هيئة تدريس . أليست هذه فجوة تستدعي وقفة صريحة وشجاعة؟
إعادة النظر في التعليمات اليوم ليست ترفًا إداريًا، بل ضرورة أكاديمية. فالأصل في أي تعليمات أن تكون واضحة، سهلة التطبيق، قليلة الاستثناءات، بعيدة عن القيود التعجيزية. التعليمات وُجدت لتفتح الأبواب لا لتغلقها، ولتحفّز لا لتعاقب.
نصوص تعاقب بدل أن تحفّز
خذوا مثلًا المادة الرابعة التي لا تصرف كامل قيمة المكافأة إذا كان الباحث منفردًا. أي رسالة نبعث بها هنا؟ كأننا نقول للباحث الجاد: إن اجتهدت وحدك عوقبت! بدل أن نشجّع العمل النوعي الرصين، ندفع دفعًا نحو ظاهرة “الراكب المجاني” في البحث العلمي، وهي ظاهرة قائمة لا يمكن إنكارها. هل هذا ما نريده لجامعتنا؟
أما المادة الخامسة التي تشترط أن يكون البحث نتاج تعاون دولي للمرة الثالثة مع نفس المؤسسة الدولية، فذلك شرط تعجيزي لا تحفيزي. ما الحكمة من تقييد التعاون الدولي بهذا الشكل؟ أليس الأصل أن نفتح آفاق الشراكات لا أن نحصرها في قوالب جامدة؟
وفي المادة الثامنة، يُشترط أن يكون الفصل في كتاب منشور لدى دور نشر عالمية مصنفة في قواعد بيانات Scopus، بينما يعلم المختصون أن كثيرًا من دور النشر العالمية المرموقة لا تُدرج كتبها ضمن تلك القاعدة. ألم تكن هناك سابقًا معايير أوسع وأكثر عدلًا لتمييز دور النشر العالمية؟ لماذا نختزل الجودة في مؤشر واحد؟
أما المادة الثانية عشرة المتعلقة بأجور النشر، فتضع سقفًا موحدًا لا يتجاوز 300 دينار، دون تمييز بين مجلة من الفئة الأولى وأخرى من الفئة الرابعة. في زمن ترتفع فيه رسوم النشر عالميًا، يصبح هذا السقف غير واقعي. الدعم حق مشروع، لكن الأجدر أن يكون متدرجًا وفق تصنيف المجلة. فمن غير المنطقي أن نساوي بين نشر بحث في مجلة Q1 أو Q2 وبين نشرأبحاث في مجلات متدنية التصنيف. ان دعم نشر بحث مصنف في مجلةQ1ربما يكون اكثر فائدة للباحث والجامعة والمجتمع من دعم ١٠ ابحاث في مجلات متدنية التصنيف ،او لنقلQ4 . الفرق هنا واضح كوضوح النهار… ولا يحتاج إلى برهان.
فرصة تاريخية… فهل تُغتنم؟
لقد طُرحت هذه الملاحظات مرارًا على الإدارة السابقة، وكانت في صلب الحراك الأكاديمي داخل الجامعة، وقد وقّع عليها عشرات الأكاديميين اكثر من عريضة ، لكن دون استجابة تُذكر. واليوم، ومع إدارة تستمع وتعلن بوضوح اهتمامها بالبحث العلمي، ومع اقتراب جامعة اليرموك من الاحتفال بيوبيلها الذهبي، فإن اللحظة مؤاتية لإطلاق عصر جديد للبحث العلمي.
نأمل أن تتضمن التعليمات الجديدة نصوصًا تشجّع النشر في المجلات الوطنية المصنفة ضمن قواعد بيانات Scopus دعمًا لها وتعزيزًا لحضورها، وأن تحفّز البحث في أولويات البحث العلمي الوطنية، ليصبح البحث الجامعي أداة فاعلة في حل مشكلات المجتمع الأردني لا مجرد أرقام في تقارير.
إن مجلس العمداء يضم نخبة من خيرة أبناء الجامعة، وهو ليس مجلس ديكور كما يحاول البعض أن يروّج. المسؤولية اليوم كبيرة، والرهان أكبر. فالاستجابة لمطالب الأكاديميين ليست نقطة ضعف، بل عنوان قوة وثقة بالنفس.
غدًا، قد تُكتب صفحة جديدة في تاريخ البحث العلمي في جامعة اليرموك. فهل يلتقط المجلس هذه اللحظة؟
للحديث بقية…
