من نموذج #الرفاه إلى #خطاب_الانغلاق:مستقبل #النموذج_الاسكندنافي
#الشعبوية كاختبار لهوية #الدول_الاسكندنافية
#الدكتور_حسن_العاصي
باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا
شهدت الدول الاسكندنافية، التي لطالما ارتبطت في المخيال الجمعي العالمي بصورة “الملاذ الآمن” و”نموذج الرفاه الاجتماعي”، تحولات سياسية واجتماعية عميقة خلال العقد الأخير. هذه التحولات تجسدت في صعود الخطاب اليميني والشعبوي الذي يربط بين الهجرة والجريمة، ويصور المهاجرين باعتبارهم تهديداً للنظام الاجتماعي والاقتصادي القائم. لم يعد هذا الخطاب مجرد هامش سياسي، بل أصبح جزءاً من التيار الرئيسي، مدعوماً بأحزاب تحقق مكاسب انتخابية غير مسبوقة، وبإجراءات حكومية تعكس تغير المزاج الشعبي.
في السويد، على سبيل المثال، دخلت البلاد مرحلة جديدة مع تشكيل حكومة يمينية مدعومة من حزب “سفاريا ديموكراتنا”، الذي بنى خطابه على الربط المباشر بين فشل الاندماج وارتفاع معدلات الجريمة. هذه الحكومة أعلنت منذ 2022 عن سياسات تستهدف المهاجرين بشكل مباشر، من خلال تشديد العقوبات وتقييد المساعدات الاجتماعية، في محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين “المواطن الأصلي” و”الوافد الجديد”.
أما في الدنمارك، فقد اتخذت السياسات منحى أكثر صرامة عبر قوانين “الغيتوهات”، التي تفرض قيوداً على مناطق ذات كثافة مهاجرين، وتربط بين الهوية الوطنية والأمن الداخلي. هذه القوانين لم تقتصر على الجانب القانوني، بل حملت دلالات رمزية قوية، إذ تعكس رؤية رسمية تعتبر المهاجرين “كتلة منفصلة” ينبغي ضبطها وإعادة تشكيلها.
النرويج بدورها لم تكن بمنأى عن هذه التحولات، حيث شهدت تشديداً في شروط اللجوء والاندماج، مدفوعة بضغط الأحزاب الشعبوية التي تزايد نفوذها في البرلمان. الأرقام هنا تكشف الكثير: استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن أكثر من 40% من المواطنين يعتبرون الهجرة “أكبر تحدٍ اجتماعي”، فيما ارتفعت نسبة التأييد للأحزاب اليمينية إلى مستويات غير مسبوقة.
إن تصاعد هذا الخطاب لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوروبي الأوسع، حيث تتزايد النزعات الشعبوية كرد فعل على الأزمات الاقتصادية، وتنامي المخاوف الأمنية، وتراجع الثقة في المؤسسات التقليدية. لكن خصوصية الحالة الاسكندنافية تكمن في المفارقة بين الصورة التاريخية لهذه الدول كحاضنة للإنسانية والرفاه، وبين الواقع الجديد الذي يعكس انغلاقاً متزايداً واستقطاباً مجتمعياً حاداً.
جذور الخطاب اليميني والشعبوي في الدول الاسكندنافية
حين نتأمل التحولات التي شهدتها الدول الاسكندنافية خلال العقد الأخير، نجد أن صعود الخطاب اليميني والشعبوي لم يكن وليد لحظة عابرة، بل نتيجة تراكمات متشابكة بين المخاوف الأمنية، الضغوط الاقتصادية، والتغيرات الثقافية. هذه العوامل تفاعلت معاً لتنتج خطاباً جديداً، يضع المهاجر في قلب النقاش السياسي والاجتماعي، ويحوّله من “ضيف مرحّب به” إلى “مشكلة ينبغي حلّها”.
في السويد، التي كانت تُعرف بسياسة الباب المفتوح، بدأ المزاج الشعبي يتغير مع تصاعد جرائم العصابات. تقارير الشرطة لعام 2023 أشارت إلى أن ما يقارب 30% من هذه الجرائم ارتبطت بشباب من خلفيات مهاجرة. هذه الأرقام، وإن كانت لا تعكس الصورة الكاملة، استُخدمت بكثافة في الخطاب السياسي لتأكيد فكرة أن الهجرة غير المنضبطة تهدد الأمن الداخلي. ومع انتخابات 2022، ترجم هذا المزاج نفسه في صناديق الاقتراع، حيث حصل حزب “سفاريا ديموكراتنا” الشعبوي على أكثر من 20% من الأصوات، ليصبح ثاني أكبر قوة سياسية في البلاد. هنا يظهر كيف تتحول المخاوف الأمنية إلى رأسمال سياسي، يُستثمر في بناء سردية شعبوية قوية.
أما في الدنمارك، فقد اتخذت الحكومة مساراً أكثر صرامة عبر ما يُعرف بـ”قوانين الغيتوهات”، التي تستهدف مناطق ذات كثافة مهاجرين. هذه القوانين لم تكن مجرد تشريعات إدارية، بل حملت دلالات رمزية عميقة: تقسيم المجتمع إلى “نحن” و”هم”. الأرقام الرسمية دعمت هذا التوجه، إذ أظهرت أن معدلات البطالة والجريمة في تلك المناطق أعلى بمرتين أو ثلاث من المعدل الوطني. لكن الأهم أن هذه الأرقام لم تُستخدم فقط لوصف الواقع، بل لتبرير سياسات تعيد إنتاج صورة المهاجر باعتباره عبئاً على النظام الاجتماعي، وتُرسّخ فكرة أن الحل يكمن في “الحد من وجوده” أو “إعادة تشكيله”.
النرويج بدورها لم تكن بمنأى عن هذه الموجة. حزب التقدم الشعبوي، الذي حصل على أكثر من 11% من الأصوات في انتخابات 2021، واصل الضغط لتشديد قوانين اللجوء والاندماج. استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن 42% من المواطنين يعتبرون الهجرة “أكبر تحدٍ اجتماعي”، وهو رقم يعكس حجم القلق الشعبي، ويمنح الأحزاب الشعبوية أرضية صلبة لتوسيع نفوذها. هنا نرى كيف تتحول المخاوف الاقتصادية والاجتماعية إلى قناعات سياسية، تُترجم في دعم متزايد للأحزاب التي تقدم حلولاً بسيطة ومباشرة: “أوقفوا الهجرة، ستنتهي المشكلة”.
الإعلام لعب دوراً محورياً في تغذية هذه المخاوف. دراسة دنماركية عام 2022 أظهرت أن 70% من الأخبار المتعلقة بالهجرة ركزت على الجريمة والفشل في الاندماج، مقابل أقل من 20% تناولت قصص النجاح والمساهمات الإيجابية. هذا الانحياز الإعلامي لم يكن بريئاً، بل ساهم في تكوين صورة ذهنية سلبية عن المهاجر، وجعل من السهل على الخطاب الشعبوي أن يجد صدى واسعاً في المجتمع.
هكذا، يتضح أن تصاعد الخطاب اليميني والشعبوي في الدول الاسكندنافية ليس مجرد انعكاس لأزمة سياسية، بل هو نتاج تفاعل معقد بين الأرقام والوقائع من جهة، واللغة السياسية والإعلامية من جهة أخرى. الأرقام تُستخدم كأدوات لإقناع الجمهور، لكنها في الوقت نفسه تُختزل وتُوظّف لتغذية سردية تبسيطية: “المهاجر هو المشكلة”. وهذا ما يجعل الخطاب الشعبوي قادراً على الانتشار، لأنه يقدم إجابات سهلة على أسئلة معقدة، ويحوّل المخاوف الفردية إلى مشروع سياسي جماعي.
دور وسائل الإعلام في تكريس خطاب التشدد ضد المهاجرين
وسائل الإعلام في الدول الاسكندنافية لعبت دوراً محورياً في تشكيل المزاج العام تجاه المهاجرين، ليس فقط عبر نقل الأخبار، بل من خلال الطريقة التي تُبنى بها السرديات وتُختزل فيها الحقائق. فالإعلام، بصفته وسيطاً بين الواقع والجمهور، لم يكن محايداً في كثير من الأحيان، بل ساهم في تكريس صورة نمطية تربط بين الهجرة والجريمة أو بين الهجرة والفشل في الاندماج.
في الدنمارك مثلاً، أظهرت دراسة أكاديمية أن ما يقارب 70% من التغطيات الإعلامية المتعلقة بالهجرة ركزت على الجريمة والمشكلات الاجتماعية، مقابل أقل من 20% تناولت قصص النجاح والمساهمات الإيجابية. هذا الانحياز في التغطية خلق صورة ذهنية سلبية، جعلت من السهل على الخطاب الشعبوي أن يجد صدى واسعاً، لأنه يقدّم للجمهور “أدلة إعلامية” تدعم مخاوفه.
الصحف الشعبية والقنوات التلفزيونية كثيراً ما تلجأ إلى العناوين المثيرة التي تربط بين جنسية المهاجر والجريمة المرتكبة، حتى لو لم يكن لذلك علاقة مباشرة بالحادث. هذه الممارسة الإعلامية تُحوّل الفرد إلى ممثل لجماعة بأكملها، وتُرسّخ فكرة أن المهاجرين كتلة متجانسة مرتبطة بالمشكلات. في المقابل، قصص النجاح – مثل مساهمة المهاجرين في الاقتصاد أو في البحث العلمي – غالباً ما تُهمَّش أو تُعرض في صفحات داخلية دون أن تحظى بالاهتمام نفسه.
وسائل التواصل الاجتماعي زادت من حدة هذه الظاهرة، إذ أصبحت منصات مثل فيسبوك وتويتر فضاءً لتداول الأخبار المقتطعة والمبالغ فيها، ما يضاعف من انتشار الصور النمطية. هنا يتقاطع الإعلام التقليدي مع الإعلام الجديد في إنتاج خطاب متشدد، يختزل المهاجر في صورة “الخطر” أو “العبء”.
إن دور الإعلام في هذا السياق لا يمكن اعتباره مجرد انعكاس للواقع، بل هو جزء من صناعة الواقع نفسه. فحين تُكرر وسائل الإعلام سردية معينة، وتُضخّم الأرقام المرتبطة بالجريمة، وتتجاهل قصص النجاح، فإنها لا تنقل الحقيقة، بل تُعيد تشكيلها بما يخدم خطاباً سياسياً محدداً. وهذا ما يجعل الإعلام أحد أهم أدوات الشعبوية في الدول الاسكندنافية، لأنه يوفّر لها الشرعية الشعبية ويمنحها القدرة على الانتشار.
دور الأحزاب والتنافس الشعبوي على أصوات الناخبين
الأحزاب السياسية في الدول الاسكندنافية لم تكتفِ بتبني خطاب شعبوي تجاه المهاجرين، بل دخلت في سباق محموم لتوظيف هذا الخطاب كأداة انتخابية لكسب الأصوات. فالمشهد الحزبي هناك يشهد تنافساً واضحاً بين القوى اليمينية التقليدية والأحزاب الشعبوية الصاعدة، حيث يسعى كل طرف إلى إثبات أنه الأكثر قدرة على “حماية الهوية الوطنية” و”ضبط الهجرة”.
في السويد، على سبيل المثال، لم يعد حزب “سفاريا ديموكراتنا” الشعبوي وحده من يتحدث عن الهجرة والجريمة، بل تبنّت أحزاب يمينية أخرى أجزاء من خطابه لتجنب خسارة الناخبين لصالحه. هذا التنافس خلق ما يشبه “مزاداً سياسياً” على التشدد، حيث تتسابق الأحزاب في تقديم مقترحات أكثر صرامة، من تشديد العقوبات إلى تقليص المساعدات الاجتماعية للمهاجرين. النتيجة أن الخطاب الشعبوي لم يعد حكراً على حزب واحد، بل أصبح لغة مشتركة تتقاطع فيها عدة قوى سياسية.
في الدنمارك، المشهد أكثر وضوحاً. حزب الشعب الدنماركي (DF)، رغم تراجع نسبته الانتخابية، نجح في دفع الأحزاب الكبرى إلى تبني سياسات أكثر تشدداً، مثل قوانين “الغيتوهات”. هنا يظهر كيف يمكن لحزب صغير نسبياً أن يفرض أجندته على الساحة السياسية عبر الضغط المستمر، مما يجبر الأحزاب المنافسة على تبني خطاب مشابه حتى لا تبدو “متساهلة” أمام الناخبين.
النرويج بدورها شهدت تنافساً بين حزب التقدم الشعبوي (FrP) والأحزاب التقليدية، حيث يواصل الأول الضغط لتشديد قوانين اللجوء والاندماج، بينما تحاول الأحزاب الأخرى موازنة خطابها بين الحفاظ على صورة الدولة الإنسانية وبين الاستجابة لمخاوف الناخبين. هذا التوازن الهش يعكس طبيعة التنافس الشعبوي: إما أن تنخرط الأحزاب في خطاب التشدد لتجنب خسارة الأصوات، أو أن تخاطر بالظهور بمظهر “الضعف” أمام الرأي العام.
إن هذا التنافس بين الأحزاب على خطاب الشعبوية يعكس دينامية خطيرة: فبدلاً من أن يكون الخطاب الشعبوي هامشياً، أصبح معياراً يُقاس به مدى “جدية” الأحزاب في التعامل مع قضية الهجرة. ومع كل دورة انتخابية، يتزايد الضغط على الأحزاب لتقديم سياسات أكثر صرامة، مما يعمّق الاستقطاب ويجعل من المهاجرين محوراً دائماً للصراع السياسي.
إن ما نشهده اليوم هو إعادة تعريف للهوية الاسكندنافية نفسها. من نموذج يُحتفى به عالمياً كرمز للإنسانية والرفاه، إلى واقع جديد يتسم بالانغلاق والاستقطاب. الأرقام والوقائع تؤكد أن الخطاب الشعبوي لم يعد على الهامش، بل أصبح في صميم السياسات العامة، يحدد اتجاهاتها ويعيد رسم صورة المهاجر في الوعي الجمعي.
السياسات الملموسة وتجليات الخطاب الشعبوي في الدول الاسكندنافية
إذا كان المحور الأول قد كشف عن جذور الخطاب اليميني والشعبوي، فإن المحور الثاني يضعنا أمام السياسات الملموسة التي جسّدت هذا الخطاب وحوّلته من مجرد شعارات انتخابية إلى واقع يومي يعيشه المهاجرون في السويد والدنمارك والنرويج. هنا يصبح التحليل أكثر وضوحاً، لأننا لا نتحدث عن مخاوف أو تصورات، بل عن قوانين وتشريعات وإجراءات حكومية تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمهاجر.
في السويد، التحول كان دراماتيكياً. فبعد انتخابات 2022، دخل حزب “سفاريا ديموكراتنا” الشعبوي إلى قلب السلطة عبر دعم الحكومة اليمينية. هذا الحزب، الذي كان يُنظر إليه قبل عقدين كتيار هامشي، أصبح اليوم ثاني أكبر قوة سياسية بحصوله على أكثر من 20% من الأصوات. السياسات الجديدة ركزت على تشديد العقوبات وربطها بالمهاجرين، مع خطاب رسمي يربط بين فشل الاندماج وارتفاع معدلات الجريمة. تقارير الشرطة لعام 2023 أشارت إلى أن نحو 30% من جرائم العصابات ارتبطت بشباب من خلفيات مهاجرة، وهو رقم استُخدم بكثافة لتبرير سياسات أكثر صرامة في منح الإقامات، وتشديد الرقابة على الأحياء ذات الكثافة المهاجرة. بهذا الشكل، تحولت السويد من نموذج “الانفتاح” إلى نموذج “الضبط”، في انعكاس مباشر لتأثير الشعبوية على السياسات العامة.
أما الدنمارك، فقد سبقت جاراتها في تبني سياسات صارمة منذ سنوات، لكنها واصلت تشديدها بشكل لافت. قوانين “الغيتوهات” التي أُقرت عام 2018 مثّلت نقطة تحول، إذ صنّفت الحكومة مناطق معينة ذات كثافة مهاجرين باعتبارها “مشكلة اجتماعية”، وفرضت عليها قيوداً خاصة: تخفيضات في المساعدات، تشديد العقوبات، وإجراءات تهدف إلى “تفكيك التجمعات المهاجرة”. الأرقام الرسمية دعمت هذا التوجه، حيث أظهرت أن معدلات البطالة والجريمة في تلك المناطق أعلى بمرتين أو ثلاث من المعدل الوطني. لكن الأهم أن هذه السياسات لم تكن مجرد استجابة للأرقام، بل كانت انعكاساً لرؤية سياسية ترى أن “الاندماج القسري” هو الحل، حتى لو كان على حساب حقوق الأفراد. هنا يظهر كيف تتحول الشعبوية إلى سياسة مؤسسية، تُترجم في قوانين تحمل طابعاً تمييزياً واضحاً.
في النرويج، المشهد أقل حدة لكنه يسير في الاتجاه نفسه. حزب التقدم الشعبوي، الذي حصل على أكثر من 11% من الأصوات في انتخابات 2021، واصل الضغط لتشديد قوانين اللجوء والاندماج. استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن 42% من المواطنين يعتبرون الهجرة “أكبر تحدٍ اجتماعي”، وهو رقم يعكس حجم القلق الشعبي ويمنح الأحزاب الشعبوية أرضية صلبة لتوسيع نفوذها. السياسات هنا ركزت على تقليص عدد اللاجئين المقبولين، وتشديد شروط الحصول على الجنسية، وربط المساعدات الاجتماعية بمستوى الاندماج. هذه الإجراءات، وإن كانت أقل صرامة من النموذج الدنماركي، إلا أنها تعكس الاتجاه العام نحو تضييق مساحة “الترحيب” التقليدي الذي عُرفت به النرويج.
ما يجمع هذه التجارب الثلاث هو أن الخطاب الشعبوي لم يعد مجرد لغة انتخابية، بل أصبح سياسة رسمية تُترجم في قوانين وتشريعات. الأرقام تُستخدم لتبرير هذه السياسات، لكن طريقة توظيفها تكشف عن انتقائية واضحة: التركيز على معدلات الجريمة والبطالة في صفوف المهاجرين، وتجاهل قصص النجاح والمساهمات الإيجابية. الإعلام بدوره يعزز هذه الصورة، إذ أظهرت دراسة دنماركية أن 70% من الأخبار المتعلقة بالهجرة ركزت على الفشل والجريمة، مقابل أقل من 20% تناولت قصص النجاح. هذا الانحياز الإعلامي يجعل من السهل على الخطاب الشعبوي أن يجد صدى واسعاً، ويحوّل السياسات الصارمة إلى “ضرورة وطنية” في نظر الجمهور.
بهذا الشكل، يصبح المحور الثاني شاهداً على كيف تحولت الشعبوية من مجرد خطاب إلى واقع ملموس، يعيد تشكيل السياسات العامة ويغيّر صورة الدول الاسكندنافية في الداخل والخارج. من نموذج يُحتفى به عالمياً كرمز للإنسانية والرفاه، إلى واقع جديد يتسم بالانغلاق والاستقطاب، حيث يُنظر إلى المهاجر باعتباره “تحدياً” لا “إضافة”.
الآثار الاجتماعية والسياسية لتصاعد الخطاب الشعبوي
حين تتحول الشعبوية من مجرد خطاب انتخابي إلى سياسات ملموسة، فإن انعكاساتها لا تقتصر على المجال السياسي وحده، بل تمتد لتعيد تشكيل النسيج الاجتماعي نفسه. في الدول الاسكندنافية، التي لطالما ارتبطت بصورة “المجتمع المنفتح والمتسامح”، نشهد اليوم تحولات عميقة تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والمهاجر، وتطرح أسئلة جديدة حول الهوية والاندماج والعدالة.
أول هذه الآثار يتمثل في الاستقطاب المجتمعي. فالمهاجرون، الذين كانوا يُنظر إليهم سابقاً كجزء من مشروع إنساني أوسع، أصبحوا اليوم في قلب جدل سياسي محتدم. الخطاب الشعبوي، الذي يربط بين الهجرة والجريمة أو بين الهجرة وتراجع أنظمة الرفاه، خلق حالة من الانقسام الحاد داخل المجتمع: بين من يرى أن المهاجرين يشكلون تهديداً، ومن يصرّ على أنهم إضافة ضرورية للتنوع والاقتصاد. هذا الانقسام لم يعد مجرد نقاش فكري، بل أصبح واقعاً يومياً ينعكس في المدارس، أماكن العمل، وحتى في الأحياء السكنية.
ثاني الآثار هو إعادة إنتاج الصور النمطية. الإعلام، الذي يركز بنسبة تصل إلى 70% على الجريمة والفشل في الاندماج عند الحديث عن المهاجرين، ساهم في ترسيخ صورة ذهنية سلبية. هذه الصورة تجعل من السهل على الخطاب الشعبوي أن يجد صدى واسعاً، لأنها تقدم للمواطن “دليلاً بصرياً” على أن المهاجر هو المشكلة. النتيجة هي أن قصص النجاح، مثل مساهمة المهاجرين في الاقتصاد أو في البحث العلمي، تُهمَّش، بينما تُضخَّم قصص الفشل لتصبح هي القاعدة.
ثالثاً، هناك انعكاسات سياسية مباشرة. الأحزاب الشعبوية، التي كانت هامشية قبل عقدين، أصبحت اليوم جزءاً من التيار الرئيسي. في السويد، حزب “سفاريا ديموكراتنا” أصبح ثاني أكبر قوة سياسية. في الدنمارك، قوانين “الغيتوهات” أصبحت سياسة رسمية. وفي النرويج، حزب التقدم يواصل الضغط لتشديد قوانين اللجوء. هذه التحولات تعني أن الخطاب الشعبوي لم يعد مجرد لغة احتجاج، بل أصبح أداة لصياغة السياسات العامة، وهو ما يغيّر صورة الدول الاسكندنافية في الداخل والخارج.
أخيراً، لا يمكن تجاهل الأثر الرمزي. الدول الاسكندنافية لطالما قُدمت كنموذج عالمي للإنسانية والرفاه، لكن السياسات الجديدة تعكس صورة مختلفة: صورة دول منغلقة، تخشى الآخر، وتتعامل معه باعتباره تهديداً لا فرصة. هذا التحول الرمزي له تبعات على مكانة هذه الدول في النقاش الدولي حول حقوق الإنسان والهجرة، ويطرح سؤالاً عميقاً: هل يمكن أن تستمر هذه الدول في تقديم نفسها كنموذج عالمي، بينما سياساتها الداخلية تعكس انغلاقاً متزايداً؟
الأرقام والإحصاءات كأداة لتغذية الشعبوية
الأرقام في الخطاب السياسي ليست مجرد بيانات محايدة، بل تتحول إلى أدوات لإقناع الجمهور وتوجيه المزاج العام. في الدول الاسكندنافية، لعبت الإحصاءات دوراً محورياً في ترسيخ الخطاب الشعبوي، إذ جرى توظيفها بشكل انتقائي لتأكيد السردية التي تربط بين الهجرة والجريمة أو بين الهجرة وتراجع أنظمة الرفاه.
في السويد، نتائج انتخابات 2022 أظهرت أن حزب “سفاريا ديموكراتنا” الشعبوي حصل على 20.5% من الأصوات، وهو أعلى رقم في تاريخه، مما جعله ثاني أكبر حزب في البرلمان. هذا الرقم لم يكن مجرد إحصاء انتخابي، بل أصبح دليلاً على أن الشعبوية لم تعد هامشية، بل جزء من التيار الرئيسي.
في الدنمارك، رغم تراجع حزب الشعب الدنماركي (DF) إلى نحو 8% في انتخابات 2022، إلا أن أثره السياسي ظل أكبر من حجمه العددي، إذ نجح في دفع الحكومات المتعاقبة إلى تبني سياسات أكثر صرامة تجاه المهاجرين. هنا يظهر كيف يمكن لنسبة صغيرة انتخابياً أن تُحدث أثراً كبيراً سياسياً.
أما في النرويج، فقد حصل حزب التقدم الشعبوي (FrP) على 11.6% في انتخابات 2021، ليصبح ثالث أكبر حزب في البرلمان. استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن 42% من المواطنين يعتبرون الهجرة “أكبر تحدٍ اجتماعي”، وهو رقم يعكس حجم القلق الشعبي ويمنح الأحزاب الشعبوية أرضية صلبة لتوسيع نفوذها.
إلى جانب هذه الأرقام، تُستخدم معدلات الجريمة بشكل مكثف في الخطاب السياسي. ففي السويد، تقارير الشرطة لعام 2023 أشارت إلى أن نحو 30% من جرائم العصابات ارتبطت بشباب من خلفيات مهاجرة. هذه النسبة، رغم أنها لا تعكس الصورة الكاملة، أصبحت محوراً أساسياً في خطاب الأحزاب اليمينية، لتأكيد فكرة أن الهجرة تهدد الأمن الداخلي.
بهذا الشكل، تتحول الأرقام إلى “لغة مقنعة” تُستخدم لتغذية الشعبوية، لكنها في الوقت نفسه تُختزل وتُوظّف بشكل انتقائي، مما يجعلها جزءاً من المشكلة لا مجرد وصف للواقع.
مستقبل النموذج الاسكندنافي بين الانفتاح والانغلاق
إن تصاعد الخطاب اليميني والشعبوي في الدول الاسكندنافية ليس مجرد ظاهرة سياسية عابرة، بل هو انعكاس لتحولات عميقة في البنية الاجتماعية والثقافية لهذه المجتمعات. لقد انتقلت هذه الدول، التي كانت تُقدَّم لعقود كنموذج عالمي للانفتاح والرفاه والعدالة الاجتماعية، إلى واقع جديد يتسم بالانغلاق، وإعادة تعريف الهوية الوطنية على أسس أكثر صرامة وأقل تسامحاً. الأرقام والوقائع تؤكد أن الشعبوية لم تعد على الهامش، بل أصبحت في قلب السياسات العامة، تُعيد صياغة صورة المهاجر في الوعي الجمعي، وتحوّله من عنصر مساهم في التنوع والاقتصاد إلى “تحدٍ” أو “تهديد” ينبغي ضبطه.
لكن هذا التحول، رغم قوته، ليس قدراً محتوماً. فالمجتمع المدني، والأحزاب التقدمية، والفاعلون الثقافيون، ما زالوا يمتلكون القدرة على صياغة سرديات بديلة، تُبرز قصص النجاح وتعيد الاعتبار لقيم التعددية والانفتاح التي شكّلت جوهر التجربة الاسكندنافية. إن مواجهة الشعبوية لا تتم فقط عبر الأرقام أو السياسات، بل عبر إعادة بناء الثقة بين المواطن والمهاجر، وتأكيد أن التحديات الاقتصادية والأمنية لا تُحلّ بالانغلاق، بل بالاندماج والتعاون.
المستقبل هنا مفتوح على احتمالات متعددة: إما أن تستمر موجة الشعبوية في إعادة تشكيل هذه المجتمعات، لتصبح أكثر انعزالاً وأقل قدرة على التفاعل مع العالم، أو أن تنجح القوى الديمقراطية والمدنية في استعادة التوازن، وإعادة تعريف الهوية الاسكندنافية بما يتناسب مع قيمها التاريخية. السؤال المطروح ليس فقط عن حجم تأثير الشعبوية، بل عن قدرة هذه الدول على مواجهة نفسها، والاعتراف بأن الهجرة ليست أزمة، بل فرصة لإعادة بناء مجتمع أكثر تنوعاً وصلابة في مواجهة التحديات العالمية.
إن ما يجري اليوم في السويد والدنمارك والنرويج هو اختبار حقيقي لمستقبل النموذج الاسكندنافي: هل سيظل رمزاً للإنسانية والرفاه، أم سيتحوّل إلى نسخة جديدة من الانغلاق الأوروبي؟ الإجابة ستحدد ليس فقط مصير المهاجرين، بل أيضاً صورة هذه الدول في العالم، ومكانتها في النقاش الدولي حول العدالة والحقوق والإنسانية.

