
#مجلس_السلام_لغزة” في الميزان الأردني ومعادلة الكلفة السياسية
بقلم: محمد يوسف الشديفات
تُعلمنا السياسة الدولية أن المبادرات لا تُقاس ببريق عناوينها، بل بمتانة بنائها الهيكلي ومستويات التمثيل التي تعتمدها، وما تفرضه من التزامات على أطرافها؛ ومن هذا المنطلق يبرز مجلس “السلام لغزة” بوصفه إطاراً غير تقليدي يقع في منطقة رمادية بين العمل الأمني والجهد السياسي. إن هذه البنية الهجينة التي تجمع بين أدوار أمنية ووزارية وشخصيات سياسية سابقة، تجعل من الضروري التوقف ملياً عند معنى الانخراط في مثل هذا المسار، والتساؤل بعمق عن الجهة التي يُنتظر منها تحمل الكلفة السياسية في حال تعثر هذا المشروع أو تغيرت أولوياته الدولية، خاصة وأن المبادرات التي تولد في أتون الأزمات غالباً ما تفتقر لآليات خروج واضحة، مما قد يحول الانخراط “المؤقت” إلى استنزاف دائم.
ويتضح الحذر السياسي العربي عند قراءة مستويات المشاركة داخل المجلس، والتي جاءت موزعة بعناية لتعكس تباين القراءات الوطنية؛ فبينما حصرت مصر مشاركتها ضمن الإطار الأمني بما ينسجم مع دورها في إدارة التهدئة، حضرت الإمارات وقطر عبر تمثيل وزاري يتيح مرونة التأثير مع الحفاظ على استقلالية القرار السيادي. هذا التفاوت المدروس يهدف لتجنب تحمل أعباء مبادرة لا تمتلك الأطراف العربية فيها قدرة حقيقية على توجيه مخرجاتها، وهو أمر يفرض على الأردن قراءة مغايرة، كون دعوته ارتبطت بالمستوى السيادي المتمثل في الملك عبدالله الثاني شخصياً، مما يعني زجّ الدولة بثقلها السياسي والأخلاقي في مسار لم تشارك في وضع قواعده، ويضعها أمام تحدي الموازنة بين دورها كطرف موثوق يُستدعى لمنح الشرعية، وبين ضرورة حماية مصالحها من الانزلاق إلى أدوار وظيفية لا تعالج جذور الصراع.
ويزداد المشهد تعقيداً عند النظر لغاية المجلس العملية، والتي تبدو كإطار لضبط الواقع القائم ومنع الفوضى، بما يتسق مع توجهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو الترتيبات العملية السريعة. غير أن هذه المقاربة تصطدم بغياب السلطة الفلسطينية، وهو غياب يهدد بخلق “بدائل إدارية” تقنية تقطع الطريق على قيام دولة فلسطينية متصلة، ويحول القضية من استحقاق سياسي إلى مجرد تحسين ظروف معيشية تحت بند إعادة الإعمار. وهنا يبرز تخوف جوهري من تحول “الإعمار” إلى أداة ضغط سياسي، حيث يمتلك الأردن ميزة تنافسية وخبرة إنسانية وميدانية واسعة، لكن الاستثمار في هذا الدور يجب أن يقابله حضور في صناعة القرار لضمان عدم تهميش الرؤية السياسية الأردنية لصالح ترتيبات إقليمية تتجاوز الثوابت.
إن أي انخراط أردني في هذا المسار لا ينفصل عن نبض الشارع والحاضنة الشعبية، فالقرار السيادي الأردني يوازن دائماً بين الالتزامات الدولية والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية التي ترى في تغييب التمثيل الوطني الفلسطيني خطراً يمس الأمن القومي الأردني. لذا، فإن الدور الأردني المقبل يجب أن يتجاوز مجرد الحضور إلى مرحلة “فرض الشروط”، عبر تحويل المشاركة إلى تمثيل مؤسسي يضمن بقاء القرار داخل مطبخ الدولة، وربط أي تنسيق بمرجعية وطنية فلسطينية واضحة لمنع تصفية القضية أو تقزيمها.
بناءً على ذلك، يحافظ الأردن على مكانته لا بوصفه طرفاً يُطلب منه منح الغطاء للمبادرات، بل كشريك استراتيجي يرهن التزامه بمخرجات سياسية محددة وقابلة للتقييم، تضمن حقوق الشعب الفلسطيني وتصون المصالح الأردنية العليا، بعيداً عن فخ الإدارة المفتوحة الأمد التي تفتقر للأفق السياسي الواضح.

