أخبار

مؤسسات المجتمع المدني ومراكز الدراسات و التمويل الخارجي و حدود الديمقراطية #عاجل

مؤسسات المجتمع المدني ومراكز الدراسات و التمويل الخارجي و حدود الديمقراطية #عاجل


جو 24 :

 

كتب –  د. معن علي المقابلة
لم يكن الأردن استثناءً، بل نموذجًا مكثفًا لظاهرة أوسع في العالم العربي: الديمقراطية بوصفها مشروعًا ممولًا من الخارج. على مدى العقدين الماضيين، تدفّقت أموال المؤسسات الدولية إلى دول المنطقة تحت عناوين جذابة: تمكين الشباب، الحوكمة، المجتمع المدني، وبناء القدرات. غير أن هذا التدفق المالي لم يكن بريئًا سياسيًا، ولا منفصلًا عن سؤال السيادة.

في الأردن، كما في غيره، تحوّلت الديمقراطية من حق سياسي يُنتزع إلى برنامج يُدار، ومن صراع اجتماعي إلى نشاط تدريبي مضبوط بسقوف التمويل.

في العالم العربي، حيث المجال السياسي محدود أصلًا، لعب التمويل الخارجي دورًا مضاعفًا. فهو لم يكتفِ بدعم المجتمع المدني، بل أعاد تشكيله وفق منطق المانحين. المال هنا لا يموّل الفعل فقط، بل، يحدد ما هو “مقبول” سياسيًا، و يرسم خطوطًا حمراء غير مكتوبة، و يكافئ خطابًا معيّنًا ويعاقب آخر بالصمت أو الانسحاب.

وهكذا، أصبحت السيادة لا تُنتقص عبر التدخل المباشر، بل عبر هندسة المجال العام.

أحد أخطر التحولات في المنطقة هو انتقال مركز القرار، جزئيًا، من الداخل إلى الخارج عبر آلية التمويل. فحين يصبح بقاء منظمة مجتمع مدني، أو مبادرة شبابية، أو حتى خطاب سياسي، مرهونًا بدورة تمويل دولية، فإننا نكون أمام سيادة منقوصة.

في هذه الحالة لا يُسأل ماذا يحتاج المجتمع؟بل ما الذي يمكن تمويله؟ وهذا منطق لا ينتج ديمقراطية، بل اقتصادًا سياسيًا للمشاركة.

ما حدث في الأردن يتكرر بصيغ مختلفة، في، مصر قبل 2013 ، تونس بعد 2011، المغرب، لبنان، وحتى في بعض تجارب الانفتاح المحدود في الخليج

في كل هذه الحالات، جرى دعم المجتمع المدني دون تمكينه سياسيًا تشجيع المشاركة دون السماح بتنظيم مستقل تمويل التعبير دون قبول نتائجه، النتيجة واحدة تقريبًا، مجتمع مدني نشط شكليًا، ضعيف سياسيًا.

التمويل الدولي، بحكم طبيعته، يميل إلى الاستقرار لا التغيير. هو يخشى الصراع، بينما الديمقراطية لا تولد من دونه. لذلك، تُختزل الديمقراطية في المنطقة في: ورش عمل، و مؤشرات و حوكمة، و تقارير دولية، لكنها تُفرغ من جوهرها: التنظيم، و الضغط، والمساءلة.

الأخطر من المال هو الخطاب الذي يرافقه. فالمؤسسات الممولة لا تقدم الأموال فقط، بل تقدّم أيضًا، تعريفًا للديمقراطية، تصورًا للإصلاح، لغة “مقبولة” للتغيير.

ومع الوقت، يتبنّى الفاعلون المحليون هذه اللغة، ليس لأنها تعبّر عن واقعهم، بل لأنها شرط البقاء.

هذا النقد لا يعني الدعوة إلى الانغلاق أو رفض أي تعاون دولي. لكنه يفرض إعادة طرح السؤال الجوهري:

من يحدد الأولويات؟ ومن يملك القرار؟

التمويل الخارجي قد يكون داعمًا، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن الإرادة السياسية الداخلية، ولا عن مجتمع مدني مستقل فعليًا، حتى لو كان أفقر.

تجربة الأردن، في سياقها العربي الأوسع، تكشف أن الديمقراطية الممولة قد تُنتج استقرارًا مؤقتًا، لكنها لا تُنتج سيادة ولا حرية مستدامة. فالديمقراطية التي تُدار من الخارج، حتى بأدوات ناعمة، تبقى ناقصة السيادة.

والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بوضوح في العالم العربي هو:

هل نريد ديمقراطية مريحة للمانحين، أم ديمقراطية مزعجة للسلطة، نابعة من المجتمع نفسه؟

الإجابة على هذا السؤال ليست تقنية، ولا تمويلية، بل سياسية بامتياز.

 



Source link

السابق
وفاة نجمة فيلم “Home Alone” الشهير
التالي
رحيل عميد الأغنية المغربية عبد الهادي بلخياط عن عمر ناهز 86 عاما