خارج النص – حلمي الأسمر –
مائة يوم مرّت على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، لكن الحقيقة التي لا يمكن تجميلها تقول إن النار لم تتوقف، بل أُعيد تنظيمها. ما جرى لم يكن هدنة، بل إدارة إسرائيلية دقيقة للقتل البطيء، تحت سقف اتفاق استُخدم كغطاء سياسي وأخلاقي لعدوان لم يتوقف لحظة واحدة. وفي مقابل هذا الانتهاك المنهجي، التزمت حركة حماس بالصبر، رغم الدم، ورغم الجوع، ورغم الضغط الشعبي الهائل. فكان السؤال الذي لم يغادر الوعي الفلسطيني والعربي: لماذا صبرت حماس؟
للإجابة، لا بد من كشف الحساب كاملًا… بالأرقام، لا بالشعارات.
خلال مائة يوم من “وقف إطلاق النار”، سقط في غزة ما بين 450 و500 شهيد، وفق تقديرات منظمات حقوقية فلسطينية ودولية، إضافة إلى أكثر من 1,200 جريح، في قطاع يعاني أصلًا من انهيار شبه كامل في منظومته الصحية. هؤلاء لم يسقطوا في حرب مفتوحة، بل في هدنة منتهكة: إطلاق نار متكرر، قصف موضعي، استهداف صيادين ومزارعين، وتوغلات محدودة، فضلًا عن ضحايا غير مباشرين قضوا بسبب منع الدواء، نقص الوقود، وانقطاع الكهرباء.
الأطفال كانوا عنوان الفاجعة الأكبر. أكثر من 100 طفل استشهدوا خلال فترة الهدنة، بينهم عشرات الرضّع الذين ماتوا بردًا أو جوعًا داخل مخيمات الإيواء. لم تقتلهم الطائرات، بل قتلتهم السياسة. لم يسقطوا تحت القصف، بل تحت صمت العالم، وبيروقراطية المعابر، وقرار متعمد بإبقاء غزة على حافة الحياة دون السماح لها بالنجاة.
إلى جانب القتل، سُجّل أكثر من ألف خرق إسرائيلي موثّق للاتفاق خلال مائة يوم: إطلاق نار شبه يومي، اعتقالات، إغلاق معابر، منع أو تقليص دخول الغذاء والوقود، واستهداف مباشر لمناطق يفترض أنها آمنة. صحف غربية مثل الغارديان ورويترز وصفت الوضع بـ”الهدنة الهشة”، فيما اعترفت تحليلات عبرية في هآرتس بأن الجيش الإسرائيلي “يمارس عنفًا منخفض الوتيرة تحت سقف الهدنة”.
هذا هو المشهد كاملًا.
دم، جوع، برد، وحصار… ومع ذلك صبرت حماس.
لماذا؟
لأن الحركة كانت تدرك أن إسرائيل لا تنتهك الهدنة عبثًا، بل وفق خطة واضحة: استفزاز مدروس، قتل متدرج، وضغط إنساني خانق، بهدف جرّ المقاومة إلى ردّ عسكري يكسر الاتفاق أولًا، لتخرج تل أبيب بعدها أمام العالم باعتبارها “الطرف الذي دافع عن نفسه”. كل شهيد كان فخًا، وكل خرق كان دعوة مدروسة للانفجار.
حماس اختارت الصبر لأنها فهمت أن الرد المتسرع، مهما كان مبررًا أخلاقيًا، سيحوّل مئات الشهداء الذين سقطوا خلال الهدنة إلى أرقام بلا قيمة سياسية، ويمنح الاحتلال فرصة للهروب من العزلة والمساءلة. الصبر هنا لم يكن إنكارًا للدم، بل محاولة لمنحه وزنًا ومعنى، ومنع العدو من سرقته مرتين: مرة بالقتل، ومرة بتزوير الرواية.
فلسفة حماس في هذه المرحلة قامت على معادلة شديدة القسوة:
إما تحمّل الألم الآن، أو تبديد ثمنه لاحقًا في ردّ يخدم العدو أكثر مما يخدم الضحايا.
وفي الصحافة العبرية، بدأت ملامح هذا المأزق تظهر بوضوح. كتّاب ومحللون إسرائيليون تحدثوا عن “صبر غير مفهوم لحماس”، وعن “فشل إسرائيل في جرّها إلى كسر الهدنة”. هذه ليست شهادات تعاطف، بل اعترافات ضمنية بأن الصبر كان تكتيكًا واعيًا لكسر الإيقاع الإسرائيلي القائم على الاستفزاز والتصعيد السريع.
الشركاء في الجريمة
لكن المسؤولية لا تقع على الاحتلال وحده.
المجتمع الدولي، والوسطاء، وكثير من الأنظمة العربية، شركاء بالصمت والتواطؤ. وقف إطلاق النار لم يكن ليُفرغ من مضمونه لولا غياب أي آلية محاسبة، ولولا تحويل الاتفاق إلى نص بلا أسنان. الدول التي ضمنت الهدنة اكتفت بالبيانات، والوسطاء اكتفوا بإدارة الوقت، والأنظمة العربية اكتفت بالمشاهدة، بينما كانت غزة تُقتل ببطء.
هذا الصمت لم يكن حيادًا، بل انحيازًا عمليًا للجلاد. فحين يُقتل المدنيون تحت سقف اتفاق، ولا يُحاسَب القاتل، يصبح الاتفاق نفسه أداة من أدوات الجريمة. وحين يُترك الأطفال يموتون بردًا وجوعًا، بينما تُعقد المؤتمرات وتُتبادل الابتسامات الدبلوماسية، فإن الحديث عن “القيم” و”الشرعية الدولية” يتحول إلى مهزلة أخلاقية كاملة.
الصبر كأقسى أشكال المقاومة
بعد مائة يوم، يتضح أن الصبر لم يكن فضيلة مجردة، بل خيارًا استراتيجيًا مأساويًا. حماس صبرت لأنها كانت تخوض معركة من نوع آخر:
معركة الشرعية، والذاكرة، والمسؤولية التاريخية.
صبرت لتقول للعالم: نحن التزمنا، وأنتم صمتّم، وإسرائيل قتلت.
غزة دفعت الثمن، نعم.
لكن هذا الثمن لم يُهدر سياسيًا.
وحين يُفتح سجل هذه المائة يوم،
لن يُقرأ كسجل تهدئة،
بل كسجل اتهام مكتمل الأركان.
عندها فقط،
سيتضح أن الصبر لم يكن ضعفًا،
بل أقسى أشكال المقاومة… وأكثرها كلفة.
