لم يعد السؤال المطروح في وول ستريت اليوم مرتبطاً بالأرباح أو توقعات الفائدة، بل بات يدور حول مستقبل الإنسان نفسه داخل عالم المال. ومع إعلان البنوك الأميركية الكبرى نتائج أعمالها، تكشفت ملامح مرحلة جديدة داخل المؤسسات المالية، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحسين الأداء، بل قوة ستعيد رسم خريطة الوظائف.
تصريحات الرئيس التنفيذي لأكبر بنك أميركي “جي بي مورغان” جيمي ديمون، كانت صادمةً وبلا مواربة. الرجل الذي اعتاد الحديث بوضوح قال إن الذكاء الاصطناعي سيقضي على وظائف، ودعا إلى مواجهة الحقيقة بدلاً من الهروب منها.
ورغم حدّة نبرته، أشار ديمون في حديثه لمجلة “فورتشن” إلى أن عدد موظفي البنك قد يظل ثابتاً – وربما يرتفع قليلاً – طالما أن المؤسسة تنجح في استخدام التقنية بكفاءة. كان ديمون يرى أن كل وظيفة بلا استثناء ستتأثر، من أبسط مهام تدوين الملاحظات إلى عمليات التحليل وإعداد التقارير، فيما توقع زيادة الحاجة إلى خبراء الأمن السيبراني الذين سيخوضون معركة متواصلة ضد الاحتيال الذي أصبح أكثر تطوراً.
لم يكن المدير المالي للبنك بعيداً عن هذا التوجه، إذ حرص جيريمي بارنوم على التأكيد أن البنك لن يهرع إلى التوظيف كلما ظهرت مهمة جديدة، بل سيبحث أولاً عن تعزيز الكفاءة. أما ماريان لايك، رئيسة قطاع المستهلكين، فرسمت صورة أوضح للمستقبل حين قالت إن العاملين في العمليات قد يصبحون أكثر إنتاجية بنسبة تصل إلى النصف خلال خمس سنوات، بفضل الأتمتة والمساعدات الرقمية.
وفي “غولدمان ساكس”، كان المشهد مختلفاً في شكله لكنه متقاطع في جوهره. حيث اختار ديفيد سولومون أن يواجه الواقع بنبرة محسوبة، فأعلن في مذكرة داخلية أن الذكاء الاصطناعي سيدفع البنك إلى إبطاء وتيرة التوظيف وتقليل بعض الأدوار، في خطوة تهدف إلى جعل المؤسسة أكثر خفة وقدرة على استيعاب التكنولوجيا الجديدة.
ومع ذلك، لم يكن سولومون متشائماً؛ فهو يرى أن عدد موظفي البنك سيزداد خلال العقد المقبل، شريطة أن يكون أولئك الموظفون من الفئة الأعلى قيمة. ورغم حديثه عن تقليل الوظائف في بعض المسارات، كان يؤكد في كل مناسبة أن الذكاء الاصطناعي سيفتح الباب أمام مهام جديدة، خصوصاً في تطوير البرمجيات، بحسب ما نقله موقع “Business Insider”، واطلعت عليه “العربية Business”.
تقود جين فريزر الرئيسة التنفيذية لـ”سيتي غروب” أكبر إعادة هيكلة يشهدها البنك منذ سنوات طويلة، وقالت إن المؤسسة ستتخلص من 20 ألف وظيفة خلال مسار التحول الجاري.
وفي رسالة للعاملين، عبّرت عن ثقتها بأن البنك سيظهر بصورة جديدة تماماً بحلول 2026. تحدثت فريزر بصراحة عن وظائف ستختفي وأخرى ستتطور وثالثة ستولد من جديد.
فيما كشف المدير المالي مارك ميسون أن أعداد الموظفين ستواصل التراجع مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي. ولم تكن هذه مجرد وعود، بل حقائق ملموسة؛ فقد نفّذ البنك أكثر من مليون مراجعة برمجية عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، ما وفر قدرة إنتاجية تعادل مئة ألف ساعة أسبوعياً، بينما تحسنت خدمات العملاء وتخصيص النصائح الاستثمارية بشكل لافت.
من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لـ”ويلز فارغو”، تشارلز شارف، أن أي شخص يدّعي أن الذكاء الاصطناعي لن يقلّص الوظائف إما أنه لا يدرك ما يحدث أو أنه لا يقول الحقيقة. البنك كان قد خفّض عدد موظفيه بأكثر من ربعهم منذ 2020، ويؤكد شارف أن التقنية الجديدة جعلت مهندسيه أكثر إنتاجية بنسبة تصل إلى 35%. وبرغم أن البنك لم يبدأ بعد في تقليص وظائف البرمجة، فإن شارف يرى أن ذلك سيحدث عاجلاً أم آجلاً، ومعه ستتأثر أقسام الامتثال والقانون والتواصل مع العملاء.
وعلى الضفة الأخرى، كان “بنك أوف أميركا” يقدم مقاربة مختلفة قليلاً. فبدل التركيز على خفض العدد، ركز رئيسه التنفيذي براين موينيهان على إعادة تدريب الموظفين ونقلهم إلى وظائف لا يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بها. ومع ذلك، لم يخف أن التقنية الجديدة قلصت حجم بعض الأقسام، وأوضح أن استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات البرمجة وحدها وفّر مجهوداً يعادل ألفي موظف.
ولم يكن هذا المثال الوحيد؛ فالمساعد الرقمي “ERICA” أتاح للبنك توفير ما يعادل 11 ألف وظيفة كاملة بفضل 1.4 مليار تفاعل رقمي مع العملاء.
بينما اعتبر الرئيس التنفيذي لـ”مورغان ستانلي” تيد بيك أن الوقت لم يعد يسمح بالتأجيل، وأن على البنك المضي سريعاً في تبنّي الذكاء الاصطناعي. أما المديرة المالية شارون يشايا، فكشفت مثالاً بسيطاً لكنه معبّر وقالت: “مهمة كانت تتطلب فريقين بشريين أصبحت تُدار اليوم عبر فريق بشري واحد وفريق ذكاء اصطناعي.”
وهكذا، وبين تصريحات صريحة وأخرى حذرة، كانت الصورة العامة تتشكل بوضوح: وول ستريت مقبلة على مرحلة جديدة، حيث ستقلّ الوظائف لكنها ستصبح أعلى جودة، وستتغير المهارات المطلوبة، وسيجد الإنسان نفسه مضطراً للعمل إلى جانب الآلة، لا في مواجهتها.
