أخبار

كيف تحافظ إيران على قوتها رغم الضربات الجوية؟

كيف تحافظ إيران على قوتها رغم الضربات الجوية؟


جو 24 :

كتب أ.د احمد القطامين *

رغم تصاعد المواجهة العسكرية وتعرّض إيران لضربات جوية مكثفة، فإن ثبات موقفها التفاوضي بل وظهوره بمظهر القوة يمكن فهمه إلا من خلال قراءة مجموعة من المعطيات الراهنة التي تتجاوز العامل العسكري المباشر.

أولًا، أثبتت التجربة أن الضربات الجوية، مهما بلغت شدتها، لا تُترجم تلقائيًا إلى حسم سياسي. فإيران، بحكم طبيعة نظامها وبنيتها الأمنية، قادرة على امتصاص الصدمات الأولية وإعادة ترتيب قدراتها بسرعة نسبية. هذا “التحمل البنيوي” يمنحها هامشًا للاستمرار دون الاضطرار لتقديم تنازلات فورية تحت الضغط العسكري.

ثانيًا، تعتمد طهران على مبدأ “تعدد مسارات الرد”، حيث لا يقتصر ردها على المواجهة المباشرة، بل يمتد إلى أدوات غير تقليدية في الإقليم. هذا التنوع في أدوات القوة يجعل كلفة التصعيد مفتوحة على احتمالات متعددة، وهو ما يعزز موقعها التفاوضي، لأن الطرف المقابل يدرك أن الضغط العسكري قد يقود إلى توسيع دائرة الصراع بدل إنهائه.

ثالثًا، هناك إدراك إيراني عميق بأن أي مفاوضات تُجرى في ظل القصف قد تفتقر إلى الاستقرار أو الاستمرارية. لذلك تميل القيادة الإيرانية إلى الفصل بين “لحظة الحرب” و”لحظة التفاوض”، بحيث لا تسمح بأن تتحول الضربات العسكرية إلى أداة لفرض شروط سياسية سريعة. هذا النهج يمنحها قدرة على الصمود التفاوضي حتى في أحلك الظروف.

رابعًا، على المستوى الداخلي، غالبًا ما تؤدي الضغوط الخارجية الشديدة إلى تعزيز التماسك الوطني بدل إضعافه، خصوصًا في الأنظمة التي تملك خطابًا تعبويًا قائمًا على مقاومة التدخل الخارجي. في هذا السياق، تتحول الضربات الجوية إلى عامل يُستخدم لتعزيز الشرعية الداخلية، ما يخفف من احتمالات الانقسام الذي قد يُضعف الموقف التفاوضي.

خامسًا، لا يمكن تجاهل البعد الدولي. فاستمرار العمليات العسكرية دون تحقيق حسم سريع يفتح الباب أمام ضغوط دولية لوقف التصعيد، وهو ما يمنح إيران وقتًا إضافيًا ويُضعف من فاعلية الخيار العسكري كأداة تفاوضية. كما أن بعض القوى الدولية تميل إلى تجنب انهيار كامل للتوازن، ما يوفر لطهران مظلة سياسية غير مباشرة.

أخيرًا، تدرك إيران أن خصومها رغم تفوقهم العسكري لديهم حسابات معقدة تتعلق بكلفة الحرب واتساعها. هذا الإدراك يسمح لها بالمراهنة على عامل الزمن، وعلى أن استمرار الصراع دون نتائج حاسمة سيُعيد فتح باب التفاوض بشروط أكثر توازنًا.

في المحصلة، فإن قوة الموقف التفاوضي الإيراني في ظل الضربات الجوية لا تعني غياب التأثر العسكري، بل تعكس قدرة على إدارة الصراع سياسيًا واستراتيجيًا، بحيث لا تتحول الخسائر الميدانية إلى ضعف على طاولة المفاوضات، بل تحويلها الى عنصر يعزز شروطها التفاوضية.

qatamin8@hotmail.com

*اكاديمي اردني



Source link

السابق
الموافقة على عقد دورة أخيرة لامتحان الشامل في تموز لطلبة “البلقاء التطبيقية”
التالي
ولي العهد يؤكد أهمية إدامة التنسيق بين المؤسسات خلال التطورات الإقليمية