كم تجني #البنوك من #أرباح_سنوية في #الأردن؟ ومن يتحمّل #مسؤولية #المستقبل؟
بقلم: أ.د. محمد تركي بني سلامة
قد تختلف النتائج المالية من عام إلى آخر، لكن الصورة العامة باتت واضحة، بل وصادمة في دلالاتها الاقتصادية والاجتماعية. فبحسب بيانات مالية حديثة، يحقق القطاع المصرفي الأردني أرباحًا ضخمة تعكس حجم النفوذ المالي الذي يتمتع به، ومدى تأثيره المباشر في بنية الاقتصاد الوطني ومساراته.
تشير التقارير إلى أن البنوك الأردنية العاملة في السوق المحلي تحقق أرباحًا سنوية كبيرة، تمثل حصيلة مجمّعة لعدد من المؤسسات المصرفية، وليس لبنك واحد بعينه. هذه الأرباح، بحجمها المتراكم، كافية وحدها لفتح نقاش وطني جاد حول التوازن بين الربح من جهة، والمسؤولية الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن البنك العربي أعلن عن تحقيق أرباح تجاوزت مليار دولار أمريكي في عام 2025، وهو مؤشر بالغ الدلالة على مستوى الربحية العالية التي وصل إليها بعض أكبر الفاعلين في القطاع المصرفي الأردني، وعلى القوة المالية التي باتت تتمتع بها هذه المؤسسات.
ولكي تتضح الصورة أكثر، فإن الحديث عن أرباح بنك بعينه لا يهدف إلى المقارنة أو الانتقاد، بل إلى الإشارة إلى أن ما يميّز القطاع المصرفي عمومًا هو ارتفاع مستوى الربحية، مقارنة بقطاعات إنتاجية وخدمية أخرى تعاني من ضغوط شديدة وتحديات متراكمة، وتكافح للبقاء في ظل ظروف اقتصادية صعبة.
صحيح أن هذه النتائج المالية تظل خاضعة للتغير تبعًا للظروف الاقتصادية العامة، والسياسات النقدية، وأداء الأسواق، إلا أن الحقيقة الثابتة هي أن القطاع المصرفي لا يزال من أكثر القطاعات تحقيقًا للأرباح في الأردن، وبفارق واضح عن قطاعات تمس حياة المواطنين اليومية بشكل مباشر. وهنا، لا يعود السؤال عن حجم الأرباح سؤالًا تقنيًا بحتًا، بل يتحول إلى سؤال أخلاقي وتنموي بامتياز.
ومن هذا المنطلق، تبرز المسؤولية الاجتماعية للبنوك بوصفها التزامًا وطنيًا لا منّة فيه ولا تفضّل. فحين تحقق البنوك أرباحًا بهذا الحجم، يصبح من غير المقبول أخلاقيًا ولا منطقيًا أن تبقى الجامعات الأردنية المدينة، وهي مصانع العقول وحصن المستقبل، غارقة في أزمات مالية خانقة. إن الحديث هنا لا يدور عن تبرعات موسمية أو مبادرات علاقات عامة، بل عن شراكة وطنية حقيقية تقوم على إدراك أن التعليم العالي هو استثمار استراتيجي في استقرار الدولة ونموها.
إن جامعات وطنية عريقة مثل جامعة اليرموك، وجامعة آل البيت، وجامعة مؤتة، وجامعة الطفيلة التقنية، وجامعة الحسين بن طلال لا تطلب إحسانًا، بل تطالب بحقٍّ مشروع في دعمٍ يتناسب مع دورها الوطني. هذه الجامعات خرّجت عشرات الآلاف من الكفاءات التي تعمل اليوم في مؤسسات الدولة كافة، وفي القطاع الخاص، وفي البنوك نفسها التي تجني هذه الأرباح. ومن غير المنصف أن تُترك هذه الجامعات تواجه مديونيات متراكمة، وبنى تحتية متهالكة، وتحديات أكاديمية وبحثية متزايدة، في وقت تتكدس فيه الأرباح في قطاع واحد.
إن المسؤولية الاجتماعية الحقيقية تقتضي من البنوك أن تسهم بجدية في تخفيف مديونية الجامعات، ودعم البحث العلمي، وتمويل المنح الدراسية، وتطوير البنية الأكاديمية، لا باعتبار ذلك عبئًا، بل بوصفه استثمارًا طويل الأمد في رأس المال البشري الأردني. فالدول لا تنهض بالأرقام وحدها، بل بالعقول التي تصنع هذه الأرقام، وبالعدالة التي تمنح الاقتصاد معناه الاجتماعي.
إن فتح هذا الملف اليوم ليس استهدافًا للقطاع المصرفي، بل دعوة صادقة لإعادة تعريف دوره الوطني، بما ينسجم مع حجم أرباحه وتأثيره، وبما يرسّخ مفهوم الشراكة بين المال والمعرفة، وبين الربح والمسؤولية، وبين الحاضر والمستقبل

