كتب – زياد فرحان المجالي
في التخطيط العسكري الحديث، لا تُقاس الحروب بما يُقال عنها في المؤتمرات الصحفية، ولا بما يُسرَّب في التصريحات السياسية، بل بما يُنشر عمليًا في الميدان قبلها: منصات السيطرة، منظومات الدفاع، جاهزية الإمداد، وبنية التفوق الجوي التي تحوّل الضربة من فكرة إلى قدرة. ولهذا، عندما تتزايد مؤشرات الحديث عن مواجهة محتملة مع إيران، فإن السؤال الحقيقي في غرف القيادة ليس: هل ستقع الحرب؟ بل: هل اكتملت القدرة التي تسمح بحملة جوية طويلة ومستمرة دون أن تُقيَّد بقيود القواعد البرية أو حسابات الدول المضيفة؟
من هنا تتجاوز أخبار تحريك حاملة طائرات أميركية إلى الإقليم كونها تفصيلًا عسكريًا عابرًا. فحاملة الطائرات ليست مجرد سفينة ضخمة تتقدم الأسطول، بل هي قاعدة جوية عائمة تملك سيادة ذاتية، وتعمل كمنصة للضربات الدقيقة والاستطلاع والحرب الإلكترونية، وتؤمّن دفاعًا متعدد الطبقات، وتمنح القيادة القدرة على تشغيل السماء دون الحاجة إلى توقيع سياسي أو غطاء جغرافي من أي دولة. وعندما تتحرك حاملة الطائرات، فهي في الحقيقة لا تنقل قطعة سلاح إضافية… بل تنقل نواة مسرح عمليات كامل.
الطيران… ليس عنصرًا مساعدًا بل قلب الحرب
إيران ليست هدفًا سهلًا لأي قوة عسكرية. فهي دولة واسعة، تحتوي على أهداف موزعة ومتباعدة، ومنشآت حساسة محصنة أو شبه محصنة، ودفاعات جوية متعددة المستويات، فضلًا عن قدرة رد متعددة الوسائط: صواريخ، مسيّرات، أدوات بحرية، وأذرع حليفة في المنطقة. ولذلك لا يفكر القادة العسكريون في مفهوم “ضربة واحدة” تحسم كل شيء، لأن الضربة الواحدة قد تُشعل الرد دون أن تُحقق الهدف، وقد تُجبر الطرف الآخر على التصعيد دون أن تكسر قدرته.
لهذا تَميل أي مواجهة محتملة مع إيران إلى نموذج “الحملة الجوية”، وهي حملة لا تقوم على موجة واحدة، بل على مراحل محسوبة: شل القيادة والسيطرة، إعماء الرادارات وتحييد الدفاعات الجوية، فرض التفوق في السماء، ثم توجيه الضربات المتدرجة للأهداف الحساسة وفق جدول عملياتي يوازن بين التأثير والكلفة والرد المتوقع. وفي هذا النموذج تظهر قاعدة ذهبية في الحرب الجوية: من لا يملك القدرة على فرض التفوق الجوي… لا يملك القدرة على استمرار الضرب.
حاملة الطائرات… ترجمة القوة إلى حركة
حين تُنشر حاملة طائرات في منطقة توتر، فإن القرار لا يكون بحد ذاته إعلانًا للحرب، لكنه إعلان عن شيء آخر: أن الحرب أصبحت ممكنة من الناحية التنفيذية. فهناك فرق جوهري بين دولة تقول إنها تستطيع ضرب إيران، وبين دولة تضع على الطاولة منصة عملياتية قادرة على إدارة حملة جوية كاملة بلا توقف.
في لغة القادة والخبراء العسكريين، الحاملة ليست “سفينة”، بل مركز قيادة جوية متحرك. ومعها تأتي مجموعة ضربة كاملة: قوة بحرية وجوية ودفاعية ولوجستية تعمل كوحدة واحدة. هذه المجموعة تضم جناحًا جويًا متكاملًا، وسفن حماية ودفاع صاروخي، وغواصة هجومية توفر عنصر المفاجأة والضرب الصامت، وسفن دعم تضمن استمرار العمليات لأشهر دون الحاجة للعودة إلى قواعد قريبة. وعندما تجتمع هذه العناصر، فإن ما يتشكل هو قوة حرب مصغّرة مكتفية بذاتها: قاعدة جوية + دفاع جوي + قدرات ضرب بعيدة + جهاز قيادة وتحكم.
وهذا بالضبط ما يجعل الحاملة ليست عنوانًا في نشرة الأخبار، بل “مسرح حرب” محمول على الماء.
لماذا تنخفض الحاجة إلى قواعد الخليج؟
في حرب إيران تحديدًا، تصبح القواعد البرية مشكلة مركبة: فهي مكشوفة للصواريخ الباليستية والمسيّرات، ووجودها داخل دول مضيفة يجعل استخدامها مشروطًا باعتبارات سياسية داخلية، وقد تتحول هذه القواعد إلى هدف يحرج الدولة المضيفة أو يضغط عليها. وحتى إن كانت هذه القواعد متاحة، فإن تشغيل حملة طويلة منها يعني تضخم الكلفة وارتفاع الحساسية السياسية. أما الحاملة فتقدم حلًا مختلفًا: سيطرة جوية مستقلة لا تعتمد على قواعد دولة مضيفة، ولا تتطلب إذنًا علنيًا، ولا تُقيدها توازنات الداخل السياسي في البلدان المحيطة.
النتيجة أن قرار الحرب يصبح أقل تعقيدًا من زاوية التنفيذ: يمكنك نقل القوة إلى المكان الذي تريد، وتشغيلها كما تريد، وبالدرجة التي تريد. ولذلك تُعد الحاملة أداة استراتيجية ليست لأنها أقوى من القواعد البرية، بل لأنها أكثر مرونة، وأكثر قدرة على إدارة التصعيد.
الهيمنة الجوية ليست شعارًا
الهيمنة الجوية في الحرب ليست مصطلحًا فضفاضًا، بل مجموعة إجراءات تشغيلية: طلعات لا تنقطع، منصات حرب إلكترونية تشوش الدفاعات وتربك الرؤية، تغطية رادارية وبحرية لصد المسيّرات، قدرة لإطلاق ضربات دقيقة من البحر والجو، قابلية لتغيير مناطق العمل خلال ساعات. وعندما تتوفر هذه العناصر، تتحول الضربة من “غارة” إلى “برنامج نار”، أي سلسلة موجات منظمة تستهدف البنية القتالية للخصم تدريجيًا حتى تنهار قدرته على الرد الفعال.
ومن هنا يصبح إرسال الحاملة خطوة تأسيسية للحرب الجوية، لأنها تضمن دوام الطلعات، وتضمن قدرة استمرار الضغط، وتمنح القيادة حرية توزيع الجهد: ضربة هنا، ضغط هناك، تشويش هنا، استطلاع هناك، ثم إعادة تشغيل الدورة مرة أخرى دون توقف.
الغواصة… ركن الحرب الصامتة
وجود غواصة هجومية نووية ضمن مجموعة الضربة ليس تفصيلًا تقنيًا. الغواصة هي “صوت الصمت” في الحرب: فهي توفر مراقبة مبكرة لأي تحرك بحري معادٍ، وتستطيع تنفيذ ضربات بعيدة دون أن يَعلم الخصم من أين جاءت، وتُبقي جزءًا من القوة خارج الحسابات الظاهرة. وهذا ما يسميه الخبراء “الغموض العملياتي”: العدو لا يعرف أين الخطر، ولا يعرف أين نقطة الضربة القادمة، فيتحول إلى أسير احتمالات مرهقة تُقيد قراراته وتستنزف أعصابه.
في حرب إيران المحتملة، هذا العنصر بالغ الأهمية. لأن إيران لا ترد فقط من الأرض، بل قد ترد بحرًا، وقد تستخدم أدوات بحرية غير تقليدية، أو تحاول تهديد الملاحة، أو تنفيذ عمليات تشتيت. الغواصة هنا تعمل كحارس خفي يراقب ويمنع ويستبق ويضرب إذا لزم الأمر.
إيران والرد… “الحرب متعددة الأبواب”
أي ضربة على إيران لا يمكن أن تُقرأ كحدث معزول. الرد الإيراني المحتمل قد يكون متعدد المسارات: صواريخ باليستية أو كروز على مواقع عسكرية أو اقتصادية، موجات مسيّرات على منشآت الطاقة، تهديد الملاحة في الخليج، تحريك أذرع حليفة في المنطقة، وربما تحويل الأزمة إلى حرب استنزاف تتوسع تدريجيًا.
لهذا، تُصمم مجموعة الضربة لا لتنفذ الضربة فقط، بل لتُحمي استمرارها. ففي الحرب الحديثة، تنفيذ الضربة أسهل من حماية آثارها. كل شيء يعتمد على القدرة على البقاء في الميدان دون أن تُضطر إلى التراجع تحت ضغط الرد. ومجموعة الحاملة—بما تملكه من دفاعات متعددة الطبقات—تأتي لتقليل أثر الرد، ولضمان أن استمرار عمليات الطيران يبقى ممكنًا حتى في أصعب السيناريوهات.
ماذا تؤكد الحاملة… وماذا لا تؤكد؟
من منظور عسكري محايد، نشر حاملة طائرات لا يعني أن الحرب حتمية. لكنه يعني أن الحرب صارت قابلة للتنفيذ فورًا، وأن القرار السياسي لم يعد يحتاج تجهيزًا طويلًا. هذه نقطة فاصلة؛ لأنها تنقل الملف من مساحة التهديد النظري إلى مساحة القدرة الفعلية.
وفي عالم الردع، تصبح القدرة الجاهزة خطرًا بحد ذاتها: لأن أي سوء تقدير، أو خطأ في الحساب، أو تصعيد غير مقصود، قد يدفع الأطراف إلى منحدر لا يُمكن التراجع عنه بسهولة. وعندما تكون المنصات في الميدان جاهزة، يصبح زمن القرار قصيرًا، ويصبح هامش الخطأ أخطر.
البعد الإقليمي… احتمال حرب متعددة الجبهات
إذا اتسعت المواجهة مع إيران، فإن احتمالات التوسع الإقليمي ترتفع تلقائيًا. وقد لا يبدأ ذلك بحرب شاملة، بل بتوسع تدريجي: رد هنا، ضربة هناك، تحريك جبهة بالوكالة، ثم توسع. وهنا تصبح فكرة “مسرح الحرب” دقيقة: الحاملة لا تُنشر فقط لضرب إيران، بل لتأمين القدرة على التحكم بمنحنيات التصعيد، وإعادة توزيع القوة حسب الحاجة.
لكن السيطرة على التصعيد ليست مضمونة دائمًا. فتح جبهة ثانية أو ثالثة يزيد الضغط على المنظومات الدفاعية، ويرفع احتمالات سوء التقدير، ويزيد خطر انزلاق الصراع إلى حرب إقليمية طويلة، لا تعود فيها قواعد الردع القديمة صالحة.
خلاصة القادة والخبراء
في غرف القيادة العسكرية، يُقرأ إرسال حاملة طائرات أميركية إلى الإقليم بهذه اللغة: إنه إعلان اكتمال منصة الحرب الجوية، ونقل الملف من التهديد إلى الجاهزية، وتوفير هيمنة جوية مستقلة دون الاعتماد على قواعد دولة مضيفة، ورفع القدرة على التحكم بالتصعيد، وتقليص زمن رد الفعل من أسابيع إلى ساعات.
لكن الوجه الآخر لهذه الخطوة أن مخاطر المرحلة ترتفع أيضًا: احتمال سوء التقدير، خطر التصعيد غير المقصود، وفتح الباب أمام حرب متعددة الجبهات قد تنفجر على نحو لا يملكه أحد بالكامل.
وبذلك يصبح الوجود البحري نفسه جزءًا من المعركة قبل إطلاق النار: ردع، ضغط، ورسالة واضحة بأن الحرب لم تعد فكرة تُناقَش… بل خيار جاهز على الطاولة، ينتظر اللحظة السياسية التي تضغط على الزناد.
