جو24- يصادف اليوم الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد أيقونة الثورة الفلسطينية، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، قائد معركة “طوفان الأقصى”، الشهيد القائد الكبير يحيى السنوار “أبو إبراهيم”، الذي ارتقى شهيدًا مقاومًا مشتبكًا مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، في مشهد تحوّل إلى أيقونة في الذاكرة الفلسطينية والعالمية.
وقالت حركة “حماس”، في بيان عبر موقعها الرسمي اليوم الجمعة، إن السنوار ارتقى شهيدًا مقاومًا في مشهد ثوري ملهم على طريق الحرية، بعدما دشّن مرحلة جديدة من الاشتباك والمواجهة مع الاحتلال، لا تزال تداعياتها مستمرة في المنطقة، وترسم ملامح مشهد جديد يُكتب بدماء أبنائها لصالح الشعوب الساعية نحو حريتها واستقلالها.
وأضافت الحركة أن السنوار ارتقى في مشهد ثوري مهيب، كما يرتقي العظماء في معارك الحرية، مضرجًا بدمائه الطاهرة وممتشقًا بندقية الثورة حتى الرمق الأخير، وذلك في مدينة رفح، على خط المواجهة الأول، ليغدو أيقونة ثورية ملهمة في مسيرة الشعب الفلسطيني نحو الحرية.
وأكدت أن صورة استشهاده ستظل حية وخالدة في ذاكرة الفلسطينيين ومسيرتهم نحو الحرية والانعتاق من الاحتلال، مشيرة إلى أن الشعب الفلسطيني يستحضرها في الذكرى الثانية لاستشهاد قائد “الطوفان” والعبور العظيم نحو فلسطين، وينسج منها خيوط الأمل بفجر الحرية القريبة.
وأشارت إلى أن رحيل السنوار، ومن قبله الشهيد عبد القادر الحسيني والشهيد عز الدين القسام، لم يُنهِ حكاية الشعب الفلسطيني، مؤكدة أن المسيرة الممتدة من جنين القسام إلى رفح السنوار هي مسيرة مقاومة وحكاية شعب ينسجها بصموده ومقاومته حتى دحر الاحتلال عن كامل أرضه الفلسطينية.
وولد السنوار في مخيم خانيونس للاجئين في 19 تشرين الأول/أكتوبر 1962، بعد تهجير عائلته من مدينة المجدل عام 1948، وشكّل المخيم ملامح وعيه الوطني المبكر. ودرس في مدارس خانيونس، ثم أكمل تعليمه في الجامعة الإسلامية بغزة، حيث حصل على درجة البكالوريوس في اللغة العربية، وتولى رئاسة مجلس الطلبة وقاد “الكتلة الإسلامية”، ليبرز مبكرًا في العمل الطلابي والتنظيمي.
سنوات السجون وتأسيس “مجد”
دخل السنوار السجون للمرة الأولى عام 1982، ثم اعتُقل عام 1988 وحُكم عليه بأربعة مؤبدات، قضى منها 23 عامًا متواصلة. وتحولت سنوات اعتقاله إلى مرحلة مفصلية في تجربته التنظيمية والفكرية، إذ ترأس الهيئة القيادية العليا لأسرى “حماس”، وأدار مع رفاقه إضرابات كبرى عن الطعام في أعوام 1992 و1996 و2000 و2004.
وخلال فترة اعتقاله، أتقن السنوار اللغة العبرية، وترجم منها كتبًا مهمة، وألّف أعمالًا في السياسة والأمن والأدب، من بينها رواية “الشوك والقرنفل”، التي جسدت التجربة الفلسطينية بعد النكسة.
كما شارك في تأسيس أول جهاز أمني للحركة، وأسهم عام 1986 في تأسيس جهاز “مجد” الأمني، الذي شكّل نواة التجربة الأمنية لـ”حماس”. وأصبحت كتاباته وأدبياته التي وثّقها داخل السجن مرجعًا للحركة، ورسّخت صورته بوصفه رجلًا تنظيميًا قادرًا على صياغة منظومات فكرية وأمنية متكاملة.
من الأسر إلى قيادة حركة “حماس”
وبعد الإفراج عنه في صفقة “وفاء الأحرار” عام 2011، تزوج السنوار ورُزق بثلاثة أبناء، وتولى ملفات أمنية وعسكرية في قيادة الحركة، قبل انتخابه رئيسًا لمكتبها السياسي في قطاع غزة عام 2017.
ووفقًا للحركة، نجح السنوار في معالجة العديد من الملفات على الصعيد الوطني وغيره، وأسهم في التخفيف من أزمات غزة، كما بذل مع حركة “فتح” جهودًا حثيثة لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية على أساس برنامج المقاومة.
وجمع السنوار خلال مسيرته بين أشكال متعددة من المقاومة؛ إذ قاد مسيرات العودة، التي انطلقت عام 2018 بوصفها أداة للمقاومة الشعبية السلمية، وأدار معارك عسكرية متكررة ضد الاحتلال وجولات مواجهة هزّت عقيدة الردع “الصهيونية”، كانت أبرزها معركة “سيف القدس” عام 2021. كما حمل على عاتقه مهمة تحرير الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال، باعتبارها أولوية وطنية وأخلاقية.
وفي خطاباته ومقابلاته، قدّم السنوار رؤية تقوم على النظر إلى العالم بميزان القوة والردع، معتبرًا المقاومة خيار وجود لا مجرد تكتيك، وأن الشعب الفلسطيني لن يكون ضحية تُقتل وهي صامتة. وتحدث عن الردع بالسلاح، وعن الصورة والذاكرة باعتبارهما سلاحين لا يقلان خطورة، في مزيج بين الفكر والتنظيم أسهم في صياغة ملامح مرحلة مهمة من الصراع في فلسطين.
“طوفان الأقصى” وقيادة الحركة
وفي السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، برز السنوار بوصفه أحد العقول المدبرة لعملية “طوفان الأقصى”، التي اعتُبرت أخطر وأكبر وأنجح هجوم فلسطيني عسكري ضد الاحتلال منذ عقود.
وشكّل ذلك اليوم صفحة جديدة في الصراع، إذ تحول “أبو إبراهيم” في الوعي الفلسطيني والعالمي إلى رمز لقائد خرج من تحت الحصار وقلب معادلات الأمن الإسرائيلي رأسًا على عقب.
وبعد اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية في تموز/يوليو 2024، انتُخب السنوار قائدًا عامًا للحركة، منتقلًا من قيادة قطاع غزة إلى زعامة “حماس”، في خطوة مثّلت تحديًا للاحتلال وتأكيدًا على مكانته بوصفه قائدًا جمع بين تجربة الأسر والعمل التنظيمي والسياسة والميدان.
شهادة أيقونية
وفي 16 تشرين الأول/أكتوبر 2024، استُشهد السنوار خلال اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال في “تل السلطان” بمدينة رفح جنوب قطاع غزة، في مشهد ناقض الدعاية الإسرائيلية التي استمرت شهورًا بشأن اختباء القادة في الأنفاق.
وفوجئ جيش الاحتلال بأن جنوده يخوضون اشتباكًا مسلحًا مع “أبو إبراهيم”، لينتهي الاشتباك باستشهاده، مخضبًا بدمائه الزكية تراب تل السلطان.
وسرعان ما استحوذ المشهد الذي بثه جيش الاحتلال للسنوار عبر كاميرا طائرة مسيّرة على مخيلة الملايين؛ إذ ظهر مقاتلًا جريحًا يجلس ملثمًا وجهه المتعب بكوفية فلسطينية، قبل أن يقذف الطائرة بعصاه عندما تقدمت نحوه، في لحظة جسّدت فلسفته في المقاومة حتى الرمق الأخير.
وتحول المشهد إلى أيقونة عالمية، فيما أقرت وسائل إعلام إسرائيلية، وفق ما أوردته الحركة، بجسارة الموقف، ونُقلت عن بعض الأصوات تعليقات من قبيل “هكذا يموت الأبطال”، فيما وصفه آخرون بأنه “أسطورة مقاومة حية”.
وبينما حاول الاحتلال جعل استشهاد السنوار خطوة نحو إنهاء مسيرة المقاومة، تحولت شهادته، بحسب الحركة، إلى وقود جديد للطوفان، ورسّخ مشهد استشهاده رمزيته قائدًا للمعركة وأيقونة لمواجهة المستحيل بالعصا.
وترك السنوار وراءه نموذجًا لقائد لا يساوم، جمع بين الفكر والسلاح، وبين السجن والميدان، وبين الطوفان والعصا، وسيظل اسمه حاضرًا في الذاكرة الفلسطينية مرتبطًا بثلاثية المخيم والطوفان والعصا.
