في التاريخ العسكري والسياسي، لم تكن الهزائم
والانتصارات الكبرى نتاج التفوق العددي أو التكنولوجي فقط، بل ثمرة القدرة على
التعامل مع ما هو خارج نطاق التوقع. وقد لخّص القائد الألماني هيلموت فون مولتكة
هذه الحقيقة بقوله الشهير: “كنت أتوقع أن يأتيني
العدو من إحدى الجهات الأربع، لكنه أتى من الجهة الخامسة.” وهي مقولة تؤسس لفلسفة قيادية ترى أن
الخطر الأعظم غالبًا لا يأتي من التهديدات المعروفة، بل من المجهول الذي لم يدخل
أصلًا في الحسابات.
الجهات الأربع ترمز إلى المخاطر المتوقعة التي تُبنى
لها الخطط، أما الجهة الخامسة فهي المفاجأة: انهيار افتراض، أو تحوّل غير محسوب،
أو حدث يغيّر قواعد اللعبة. ويتقاطع هذا المفهوم بعمق مع نظرية البجعة السوداء
التي صاغها عام 2007 نسيم نيقولا طالب،
المفكر الأمريكي من اصل لبناني، والتي تصف أحداثًا نادرة وغير متوقعة، ذات أثر
هائل، لا تُفهم إلا بعد وقوعها، لكنها تعيد تشكيل الواقع بالكامل. وقد شهد العالم نماذج واضحة للبجعة السوداء:
اندلاع الحرب العالمية الأولى، انهيار الاتحاد السوفيتي، هجمات 11 سبتمبر، الأزمة
المالية العالمية عام 2008، وجائحة كوفيد-19. جميعها أحداث لم تكن ضمن سيناريوهات
التخطيط، لكنها فرضت نفسها وغيرت مسارات الدول والمؤسسات.
تاريخيًا، تجسّدت الجهة الخامسة في مشاهد ومعارك كثيرة
مثل معركة أُحد حين جاء الخطر من جهة داخلية بعد كسر اوامر القائد الأعلى لا من اتجاه العدو،
وفي معركة مؤتة حين تحوّل الانسحاب المنظم على يد خالد بن الوليد إلى قرار
استراتيجي أنقذ القوة وغيّر مفهوم الانتصار ذاته. وفي العصر الحديث، مثّل طوفان
الأقصى نموذجا لجهة خامسة غير متوقعة لقيادة جيش الإحتلال كشفت هشاشة افتراض الردع
والتفوق الاستخباري.
ولا يقتصر هذا المنطق على الحروب. ففي قيادة المؤسسات،
غالبًا ما يكون السقوط نتيجة تحوّل تكنولوجي أو أزمة داخلية غير متوقعة. وفي قيادة
الدول، لم تعد التهديدات عسكرية تقليدية، بل مركّبة تشمل الأمن السيبراني، والحروب
المعلوماتية، والضغوط الاقتصادية، والتحولات الاجتماعية.
في هذا السياق، تبرز أهمية استشعار الدولة للجهة
الخامسة والبجعة السوداء في علاقاتها الإقليمية. فالعلاقة الأردنية–الإسرائيلية،
رغم طابعها غير العدائي عسكريًا، تُدار إسرائيليًا بمنطق التحوّط للمستقبل، كما
يظهر في التفكير بالجبهة الشرقية بوصفها احتمالًا غير مستبعد. وهو ما يفرض على
الأردن قراءة المشهد بعقل الدولة والجاهزية، لا بمنطق الاطمئنان أو ردّ الفعل،
وعدم الإعتماد على الإتفاقيات الموقعة مع دولة الإحتلال.
ومن هنا، يمكن فهم توجيهات الملك عبدالله الثاني بن
الحسين بإعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية ضمن فلسفة واضحة تستجيب لمنطق الجهة
الخامسة والبجعة السوداء معًا. فالتوجيه الملكي لم يكن مجرد تحديث تقني، بل
انتقالًا استراتيجيًا من جيش تقليدي ثقيل إلى جيش أكثر مرونة ورشاقة، قادر على
التكيّف مع التهديدات غير المتوقعة.
وقد تجسّد ذلك في التركيز على:تطوير منظومات القيادة والسيطرة، توظيف تكنولوجيا المعلومات
والاتصالات، تعزيز قدرات الأمن السيبراني والعلوم المعلوماتية، وبناء قوة تعتمد
على الذكاء البشري والتكامل التكنولوجي لا على الكتلة العددية فقط.
باختصار، الجهة الخامسة هي البعد المكاني للمجهول،
والبجعة السوداء هي تجسيده الحدثي. وكلاهما يوجّه رسالة واحدة: الدول لا تُدار بالتنبؤ
فقط، بل بالجاهزية والمرونة.
والقيادة الحقيقية، كما تُجسّدها التوجيهات الملكية،
ليست في انتظار الخطر، بل في بناء قوة قادرة على الصمود والتكيّف عندما يأتي
التهديد من حيث لا يُتوقّع.
