عندما يفشل المزاد قبل أن يبدأ نحو معالجة مهنية لتقييم العقارات في قضايا إزالة الشيوع
د. فواز ابو حجلة
تُعد إزالة الشيوع من الآليات القانونية المهمة لإنهاء حالة الملكية المشتركة للعقار، وتمكين الشركاء من الوصول إلى حقوقهم بصورة مستقلة وعادلة. وقد أناط قانون الملكية العقارية إجراءات إزالة الشيوع بلجان متخصصة في مديريات التسجيل، تتولى النظر في طلبات إزالة الشيوع واتخاذ الإجراءات المقررة قانوناً.
وتكتسب الخبرة العقارية في هذه الإجراءات أهمية خاصة؛ لأن القيمة التي يتم التوصل إليها لا تبقى مجرد رقم في تقرير فني، وإنما قد يكون لها أثر مباشر في تحديد حقوق الشركاء، وفي إجراءات الشراء بين الشركاء، وفي الحالات التي ينتهي فيها الأمر إلى بيع العقار أو الحصص بالمزاد.
ومن هنا تظهر إشكالية عملية تستحق البحث وهي: ماذا يحدث عندما يكون التقييم مهنياً من حيث أسسه، ولكن آلية طرح العقار بالمزاد لا تؤدي عملياً إلى جذب أي مزاود؟
هذه المسألة لا تعني بالضرورة أن التقييم خاطئ، كما لا تعني أن السوق غير موجود. فقد يكون السبب مرتبطاً بسعر بدء المزايدة، أو بطبيعة العقار، أو بشروط البيع، أو بالمخاطر والتكاليف التي يضعها المستثمر في حسابه قبل الدخول في المزاد.
أولاً: التقييم ليس هو سعر المزاد:
من المهم في البداية التمييز بين مفهومين: القيمة العقارية التي يتم تقديرها مهنياً، وسعر بدء المزايدة الذي تحكمه القواعد القانونية والإجرائية.
فالتقييم العقاري ينبغي أن يستند إلى خصائص العقار والبيانات المتاحة والأسس والمعايير المهنية ذات الصلة. وقد نص قانون الملكية العقارية على أن تقدير قيم العقارات يتم من خلال لجان التقدير، مع مراعاة خصائص العقار محل التقييم ووفق أسس ومعايير تحدد بمقتضى التعليمات.
وعليه، لا ينبغي مطالبة المقدر بتخفيض القيمة لمجرد أن العقار سيباع بالمزاد أو لأن هناك خشية من عدم تقدم المزاودين.
فالغاية من التقييم هي الوصول إلى قيمة يمكن الدفاع عنها مهنياً، وليس إنتاج رقم منخفض يسهل عملية البيع.
لكن في المقابل، فإن القيمة المقدرة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها بالضرورة سعراً نهائياً للبيع. وهنا تظهر أهمية الفصل بين التقييم وبين آلية المزاد.
ثانياً: المزاد يختلف عن البيع التقليدي:
المشتري في السوق التقليدي يستطيع عادةً دراسة العقار والتفاوض مع البائع والحصول على المعلومات اللازمة واتخاذ قراره خلال فترة مناسبة.
أما المزاود في المزاد فقد يضع في حسابه مجموعة مختلفة من الاعتبارات، منها:
المخاطر القانونية والإجرائية.
المدة اللازمة لإتمام إجراءات التسجيل.
الرسوم والنفقات المرتبطة بالصفقة.
الالتزامات المالية التي قد تحتاج إلى التسوية بحسب الحالة.
تكاليف التمويل.
تكاليف الحيازة والاستغلال.
مخاطر وجود شاغلين أو حقوق للغير بحسب الحالة.
مستوى المعلومات المتاحة للمزاود عن العقار.
إمكانية إعادة بيع العقار مستقبلاً.
وبالتالي فإن المستثمر لا يسأل فقط: “كم تبلغ قيمة العقار؟” بل يسأل أيضاً: “ما التكلفة الاقتصادية الكلية التي سأتحملها إذا دخلت هذا المزاد؟”
ومن هنا يمكن النظر إلى مفهوم عملي مهم:
تكلفة الاستحواذ الكلية = سعر المزاودة + التكاليف والالتزامات والمخاطر الاقتصادية التي يتحملها المشتري.
وهذه التكلفة هي التي يقارنها المستثمر بالعائد المتوقع أو بالقيمة الاقتصادية التي يتوقع تحقيقها من العقار.
ثالثاً: ماذا يعني فشل المزاد؟
إذا تم طرح العقار وفق الإجراءات المقررة، ولم يتقدم أي مزاود، فإن هذه الواقعة لا ينبغي أن تُفهم تلقائياً باعتبارها دليلاً على خطأ التقييم.
لكنها في الوقت نفسه معلومة اقتصادية مهمة لا ينبغي تجاهلها. فعدم تقدم المزاودين قد يكون سببه:
1. ارتفاع سعر بدء المزايدة مقارنة بظروف السوق.
2. عدم جاذبية شروط المزاد.
3. ارتفاع المخاطر التي يتحملها المشتري.
4. وجود مشكلات قانونية أو فنية أو استثمارية في العقار.
5. وجود تكاليف أو التزامات لم تكن واضحة للمشترين.
6. تغير ظروف السوق منذ إعداد التقييم.
7. أو ببساطة ضعف الطلب في السوق في ذلك الوقت.
لذلك فإن تكرار فشل المزاد للعقار ذاته يستحق أن يكون سبباً لإعادة دراسة الحالة، وليس مجرد سبب لإعادة الإعلان بالطريقة نفسها.
رابعاً: فشل المزاد لا يعني تلقائياً خطأ التقييم:
هذه نقطة جوهرية. فليس من السليم أن نقرر: لم يتقدم أحد للمزاد ← إذن التقييم خاطئ.
فالسوق قد يفشل في جذب مشترين لأسباب عديدة لا علاقة لها بصحة التقييم. وفي المقابل، ليس من السليم أيضاً أن نتعامل مع تكرار فشل المزاد وكأنه لا يحمل أي معلومة عن العلاقة بين السعر وشروط البيع والسوق. والحل الأكثر توازناً هو النظر إلى فشل المزاد باعتباره مؤشراً يستوجب التحليل.
فإذا تكرر عدم البيع، يمكن دراسة:
تاريخ التقييم.
التغير في ظروف السوق.
المعاملات المقارنة الحديثة.
القيود التنظيمية.
الالتزامات والتكاليف المرتبطة به.
مستوى الطلب الفعلي.
وبناءً على هذه الدراسة يمكن، عند وجود مبررات مهنية، اللجوء إلى إعادة التقييم أو مراجعة التقييم وفق الآلية القانونية المناسبة.
خامساً: الإطار القانوني الحالي وسعر بدء المزايدة:
ينبغي هنا التفريق بدقة بين الحالات التي نظمها قانون الملكية العقارية. فالقانون يقرر في بعض حالات إزالة الشيوع أن الحصص توضع أولاً في مزاد بين الشركاء، ولا يقل الثمن عن القيمة المقدرة وفق الحالة القانونية المعنية.
وعند طرح العقار للبيع في المزاد العلني لدى دائرة التنفيذ، يتم طرحه بالقيمة المقدرة وفي بعض الحالات تم النص على ألا يقل بدء المزايدة عن 75% من القيمة المقدرة.
ومن هنا فإن السؤال المهم: هل تكفي آلية سعر البدء الحالية للتعامل مع جميع الحالات التي يفشل فيها المزاد عملياً؟
سادساً: هل نحتاج إلى آلية خاصة لفشل المزاد؟
هنا أعتقد أن النقاش التشريعي يستحق أن يتقدم خطوة إضافية. فبدلاً من اعتبار عدم وجود مزاودين مجرد نتيجة إجرائية، يمكن التفكير في إنشاء آلية واضحة للتعامل مع فشل المزاد المتكرر. ولا يعني ذلك تخفيض قيمة العقار بصورة تلقائية. بل يمكن، على سبيل المثال، أن ترتبط إعادة دراسة الحالة بوجود واحد أو أكثر من المؤشرات التالية:
تكرار عدم تقدم المزاودين.
مرور مدة مؤثرة على التقييم.
تغير واضح في ظروف السوق.
ظهور معاملات مقارنة حديثة.
ظهور معلومات أو التزامات مؤثرة لم تكن متاحة عند إعداد التقييم السابق.
وجود خطأ أو قصور مثبت في التقييم.
تغير جوهري في خصائص العقار أو استعماله أو وضعه التنظيمي.
وفي هذه الحالة يمكن أن تكون هناك آلية تسمح للجنة، وفق الضوابط القانونية، بطلب مراجعة أو إعادة تقييم من مقدر مؤهل، مع بيان أسباب اللجوء إلى ذلك.
سابعاً: لماذا لا ينبغي أن يكون الحل مجرد تخفيض التقييم؟
لأن تخفيض التقييم بصورة مصطنعة قد يؤدي إلى ضرر معاكس. ففي قضايا إزالة الشيوع توجد حقوق مالية لشركاء يجب حمايتها.
إذا كان العقار، وفق الأدلة السوقية والمهنية المتاحة، يساوي مليون دينار، فلا ينبغي أن تصبح صعوبة البيع سبباً لتحديد قيمته عند 700 ألف دينار دون أساس مهني.
والحل الأكثر توازناً هو: قيمة مهنية مبررة + آلية مزاد تسمح بالمنافسة + مراجعة عند وجود مؤشرات موضوعية على فشل الآلية.
وهنا يكون المزاد أداة لاكتشاف السعر، وليس مجرد إجراء شكلي.
ثامناً: المزاد يجب أن يسمح للسوق بالعمل:
الفكرة الاقتصادية الأساسية في المزاد هي المنافسة. فإذا كان سعر البداية مرتفعاً بصورة تمنع المشاركين من الدخول، فإن المنافسة قد تنتهي قبل أن تبدأ. أما إذا كان سعر البداية ضمن مستوى يسمح بدخول عدد مناسب من المزاودين، فإن المنافسة قد تدفع السعر النهائي إلى مستوى أعلى. وبالتالي هناك فرق بين تحديد قيمة العقار بمبلغ معين وبين تحديد سعر بدء للمزايدة وفق آلية قانونية مدروسة، ثم ترك المنافسة لتحديد السعر النهائي.
وهذا لا يعني أن سعر البدء يجب أن يكون منخفضاً بصورة مصطنعة، وإنما يعني أن تصميم المزاد يجب أن يوازن بين حماية حقوق أصحاب العقار وبين إعطاء السوق فرصة حقيقية للتعبير عن الطلب.
تاسعاً: أثر العقار كوحدة اقتصادية:
من الأخطاء التي ينبغي تجنبها اختزال تقييم العقار دائماً في معادلة: سعر المتر × المساحة = قيمة العقار.
ففي قضايا إزالة الشيوع قد تكون هناك اعتبارات إضافية تتعلق بإمكانية القسمة، أو التجزئة، أو الوصول، أو التنظيم، أو الاستعمال، أو تأثير تقسيم العقار على الأجزاء المتبقية. والقانون نفسه يربط قابلية الحصة للقسمة بمسألة عدم فوات المنفعة المقصودة منها بالقسمة.
ولهذا فإن تقييم العقار في سياق إزالة الشيوع يحتاج إلى النظر إليه باعتباره وحدة اقتصادية وقانونية حقيقية، وليس مجرد مساحة أرض مضروبة في سعر متر.
عاشراً: نحو إطار تشريعي أكثر مرونة:
من وجهة نظري، فإن تطوير الإطار التشريعي لا يحتاج بالضرورة إلى استبدال التقييم المهني أو فرض نسبة واحدة جديدة تصلح لكل الحالات. بل يمكن التفكير في منظومة أكثر مرونة تقوم على ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: التقييم: تقدير مهني مستقل وشفاف يستند إلى خصائص العقار والأسس والمعايير المعتمدة.
المستوى الثاني: المزاد: تحديد سعر بدء للمزايدة وفق الأحكام القانونية، بما يسمح بوجود منافسة حقيقية ويحمي حقوق الشركاء.
المستوى الثالث: فشل المزاد: إذا تكرر عدم البيع، لا تظل الإجراءات عالقة في دورة من إعادة الإعلان فقط، وإنما تتم دراسة أسباب الفشل، مع إمكانية مراجعة التقييم أو شروط الطرح وفق ضوابط محددة.
بهذه الطريقة يصبح فشل المزاد معلومة يمكن التعلم منها، وليس مجرد نتيجة إجرائية.
الحادي عشر: مقترح تشريعي:
يمكن، على سبيل النقاش التشريعي وليس باعتباره صياغة قانونية نهائية، التفكير في نص من هذا النوع:
” يجوز للجهة المختصة، عند تكرار عدم البيع أو ظهور مؤشرات موضوعية تتعلق بتغير ظروف السوق أو ظهور بيانات أو معاملات جديدة أو وجود عوامل مؤثرة في القيمة لم تكن محل اعتبار عند إعداد التقييم السابق، أن تطلب مراجعة التقييم أو إعادة تقييم العقار من مقدر مؤهل وفق الأسس والمعايير المهنية والقانونية المعتمدة، مع بيان أسباب ذلك.”
الثاني عشر: دور الجمعية الأردنية للمقدرين العقاريين:
هذه المسألة ليست قانونية فقط. إنها تقع عند تقاطع ثلاث مجالات: القانون + التقييم العقاري + اقتصاديات السوق.
ومن هنا فإن للجمعية الأردنية للمقدرين العقاريين والخبراء المتخصصين دوراً مهماً في تطوير النقاش حول أفضل الممارسات المهنية في تقييم العقارات التي تدخل في إجراءات إزالة الشيوع.
وقد يكون من المفيد تطوير أدلة إرشادية تساعد على توحيد الممارسات المتعلقة بالعوامل التي ينبغي أخذها في الاعتبار في مثل هذه الحالات، مع الحفاظ على استقلال المقدر وعدم تحويله إلى طرف يحدد سعر المزاد بدلاً من الجهة المختصة.
إزالة الشيوع ليست غاية في ذاتها؛ وإنما وسيلة لإنهاء حالة قانونية واقتصادية قائمة وتحقيق حقوق أصحاب الحصص بصورة عملية وعادلة. ولهذا فإن نجاح المنظومة لا يعتمد على التقييم وحده، ولا على المزاد وحده. بل يعتمد على العلاقة بين الاثنين.
– القيمة يجب أن تكون مهنية ومدعومة بالأدلة.
– وسعر بدء المزايدة يجب أن يتيح للسوق فرصة حقيقية للمنافسة ضمن الإطار القانوني.
– وفشل المزاد يجب أن يكون مؤشراً تتم دراسة أسبابه، لا دليلاً تلقائياً على خطأ التقييم.
– والتقييم الذي لم يعد يعكس ظروف السوق يجب أن تكون هناك آلية قانونية ومهنية واضحة لمراجعته عند توافر أسباب موضوعية.
والأهم من ذلك كله هو الفصل الواضح بين: “القيمة التي يحددها المقدر وفق الأسس المهنية” و”سعر بدء المزايدة الذي تحدده القواعد القانونية والإجرائية”.
فإذا كانت الغاية من إزالة الشيوع هي إنهاء حالة الشيوع وتحقيق العدالة بين الشركاء، فلا يكفي أن يكون لكل عقار رقم يمكن الدفاع عنه فنياً، ولا أن يتم طرحه للمزاد بصورة صحيحة شكلاً.
السؤال الأهم هو:هل التقييم وآلية المزاد معاً قادران فعلاً على الوصول إلى قيمة عادلة وإنهاء الشيوع بصورة عملية وعادلة؟
وهذا، في تقديري، هو السؤال الذي يستحق أن يكون في صلب أي نقاش تشريعي أو مهني قادم حول إزالة الشيوع في الأردن.
