كتب – اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني – يتكرر مشهد الكيل بمكيالين في السياسة الغربية كلما تعارضت الشعارات المعلنة مع المصالح الاستراتيجية، ويبرز ذلك بوضوح في التعاطي الأوروبي–الأمريكي مع إيران من جهة، ومع دولة الكيان وجرائمها في قطاع غزة والضفة الغربية من جهة أخرى. ففي الوقت الذي تُرفع فيه رايات حقوق الإنسان والدفاع عن المتظاهرين لتبرير العقوبات والتهديدات ضد طهران، يُقابل ما يجري في غزة والضفة الغربية بصمتٍ مريب وتواطؤ سياسي وعسكري مكشوف.
فقد أقرّ وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي حزمة عقوبات جديدة ضد إيران تستهدف أفرادًا وكيانات بتهمة التورط في قمع الاحتجاجات، مع توجه سياسي واضح لإدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية. وأكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، أن “من يتصرف كإرهابي عليه أن يُعامل كإرهابي”، معتبرة أن الجرائم المرتكبة بحق المتظاهرين لا يمكن أن تمر دون عقاب. ووجد هذا التوجه دعمًا علنيًا من فرنسا وإيطاليا وألمانيا، التي شددت على ضرورة محاسبة المسؤولين الإيرانيين وفرض حظر سفر وتجميد أصولهم.
غير أن هذا الخطاب الأخلاقي الصارم يتهاوى عند مقارنته بما جرى ويجري في قطاع غزة والضفة الغربية، حيث ترتكب إسرائيل جرائم واسعة النطاق موثقة بالصوت والصورة، من تدمير شامل للأحياء السكنية، إلى تشريد أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة والألاف قي الضفة الغربية، وقتل وجرح مئات الآلاف من المدنيين، غالبيتهم من النساء والأطفال. وإلى جانب ذلك، ما زالت تفرض إسرائيل حصارًا خانقًا على قطاع يشمل منع الغذاء والدواء والمياه والوقود، وتعطيل دخول المساعدات الإنسانية رغم اتفاقية وقف الحرب وما تضمنتها من فتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية، في انتهاك فاضح لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني وإتفاقية ترامب لإنهاء الحرب على غزة.
ورغم هذا الحجم غير المسبوق من الانتهاكات، لم تتحرك أوروبا او امريكا لفرض أي عقوبات جدية على القادة الإسرائيليين، ولم تُدرج أي من مؤسساتهم العسكرية أو الأمنية على قوائم الإرهاب، ولم يُفرض حظر سفر أو تجميد أصول، بل استمرت امريكا وبعض الدول الأوروبية في تزويد إسرائيل بالسلاح وتوفير الغطاء السياسي لها في المحافل الدولية.
وتكتمل صورة الازدواجية الغربية عند النظر إلى الدور الأمريكي الفج والفاضح. فالولايات المتحدة، التي تزعم دعم المتظاهرين الإيرانيين والدفاع عن حقوقهم، لم تكتفِ بالعقوبات، بل لجأت إلى حشد أساطيلها البحرية واستنفار قواعدها العسكرية في المنطقة، ملوّحة باستخدام القوة العسكرية ومروّجة لخطاب تغيير النظام في إيران بالقوة، تحت شعار “الانتصار للشعب الإيراني”.
إن المعيار الذي يُستخدم لمعاقبة إيران، بحجة قمع المدنيين وانتهاك حقوق الإنسان، ينطبق وبصورة أشد وأوسع وأفظع وأشنع، على ما تقوم به دولة الكيان الصهيوني في غزة والضفة الغربية. ومع ذلك، تُعامل الحالتان بمنطقين متناقضين: منطق العقوبات والتهديد لإيران، ومنطق التبرير والتواطؤ لإسرائيل. وهذا ما يؤكد أن القضية ليست مبادئ ولا قيمًا كونية، بل انتقائية سياسية تخضع لحسابات القوة والتحالفات.
هذه الازدواجية لا تفرغ الخطاب الغربي من مصداقيته الأخلاقية فحسب، بل تقوّض أسس النظام الدولي القائم على “القواعد” فحين تُستخدم حقوق الإنسان أداة للضغط على الخصوم، وتُعلّق بالكامل أمام الحلفاء، تتحول العدالة الدولية إلى مفهوم فارغ، وتصبح القيم مجرد شعارات تُرفع عند الحاجة وتُطوى عند تعارضها مع المصالح.
وفي ظل هذا المشهد، لم تعد ازدواجية المعايير اتهامًا جزافيا، بل حقيقة تؤكدها الوقائع اليومية. فالعالم يرى الأساطيل تُحشد باسم الحرية، بينما تُترك غزة تحت الحصار والقصف اليومي رغم اتفاقية وقف الحرب وعلى مرأى ومسمع من مجلس ترامب حول غزة الذي سماه ” مجلس السلام” . وهنا ويُطرح السؤال الأخلاقي الأهم: كيف يمكن لمن يصمت على حصار وإبادة شعبٍ كامل أن يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان في أي مكان آخر؟
