رمتني بدائها وانْسَلَّت : للمقارنة
#وليد_عبدالحي
تميل أدبيات تحليل الاضطراب السياسي في #المجتمعات_العربية الى اعتبار الاضطراب و #العنف_السياسي في مجتمعاتنا كنتيجة ورد فعل على سلوك النظم السياسية ممثلة في النخب الحاكمة ملكية او جمهورية، ولا اعتقد ان هناك كاتب يتصف بالحد الادنى من الموضوعية يستطيع تبرئة هذه الشريحة الحاكمة من المسئولية عن تفجر الاضطرابات في اية دولة عربية ، فكل النظريات السياسية لا تستطيع تقديم تفسير متكامل عند تفسير الاضطراب السياسي بعيدا عن دور النخبة الحاكمة بقواها الخشنة والناعمة.
لكن الذي يجب عدم تغييبه هو دور المجتمع في تأجيج تداعيات الاسباب التي أسست لها النخب الحاكمة، فاللجوء للسلاح والتدمير والحرق والاغتيالات تساهم فيها شرائح المجتمعات ، ومن الواضح ان النظرة للوطن “بمفهومه الشامل ” ليست متوفرة لدى قطاع واسع من مجتمعاتنا ،وكثير من الشرائح الاجتماعية تساهم في الاضطراب بمقدار ما تساهم فيه النخب الحاكمة بل وتزيد عليها، فالحاكم الذي يقصف لا يختلف عن الحزب الذي يقود اتباعه لحرق الاسواق والبنايات الحكومية او البنوك او مهاجمة الاقليات او….القائمة تطول،فاهداف التخريب لا حصر لها.
ان السخط الشعبي على السياسات في العالم العربي هو سخط طبيعي ويمكن فهمه، لكن التعبير عن هذا السخط يخلو في الغالب من العقلانية لأن الفرد العربي لا يميز بين “ضرورات التغيير” وبين “محظورات التغيير”، من هنا تتفتق الغرائزية والجهل والنخب المتورمة عن حلول يغلب عليها الغباء .
ولكن من زاوية اخرى، فان الحاكم العربي لا يميز بين مفهوم الموظف ومفهوم “الرب”، فهو يتصرف طبقا لقول الشاعر الذي نفخ في هذه الثقافة بقوله” ما شئت لا ما شاءت الاقدار :فاحكم فانت الواحد القهار”، بينما في المجتمعات المتطورة فالحاكم والشعب مقتنعان ان الرئيس او الملك هو موظف يتقاضى راتبا وحدود صلاحياته محددة بدقة ويخضع سلوكه لرقابة اجهزة قضائية ، فان تجاوز وجد نفسة مثل ساركوزي في السجن او نيكسون خارج السلطة …الخ.
فإذا اجتمعت غرائزية المجتمع وجهله وتقديسه للحاكم مع اوهام حاكم بانه الرب ،فكيف سننتظر التطور العقلاني ، فنحن كمن يأخذ مجموعة من المجانين الى مختبر كيماوي لاجراء التجارب العلمية.
ولكي لا ابقى في مجال البعد النظري ، دعوني اقارن بين عمق وأوزار الاضطراب في العالم العربي مع كل من الاضطرابات السياسية في الكتلة الاشتراكية كنتيجة لتداعيات انهيار الاتحاد السوفييتي والاضطرابات السياسية في اسرائيل بعد عودة نيتنياهو للسلطة عام 2022.
ففي هذه الدول(الكتلة الاشتراكية واسرائيل) حصلت التحولات التالية:
أ- تغيير الرؤساء
ب- تغيير الحزب الحاكم
ت- تغيير الدساتير والنظام السياسي كله
ث- تغيير النظام الاقتصادي والتحول من اشتراكي الى راسمالي او هجين
ج- تفكك الحلف العسكري الجامع(وارسو)
ح- تفكك الحلف الاقتصادي(الكوميكون)
فمنذ 1985 ومع وصول غورباتشوف للسلطة بدأ الاضطراب في الاتحاد السوفييتي وامتد الى بقية المنظومة الاشتراكية (فالى جانب روسيا هناك البانيا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا وهنغاريا وبلغاريا ورومانيا والمانيا الشرقية)، فإذا استثنينا رومانيا (لخصوصية وضعها الداخلي وكنت ايامها قد قلت في مقال منشور في صحيفة الشعب الجزائرية ان التحول في رومانيا لن يكون على غرار بقية الكتلة الاشتراكية)، فان حجم الخسائر في الدول السبع الاخرى لم يتجاوز 100 قتيل ، وحتى رومانيا لم يتجاوز الضحايا 1200 قتيل ، ويكفي النظر في الاتحاد السوفييتي (15 جمهورية) لم يتجاوز عدد القتلى 30 قتيلا، وبعد التفكك بدأت حروب اهلية لا علاقة لها بالنظام السياسي ، والانظمة التي عرفت الحرب الاهلية هي الجزء المنتمي للعالم النامي ( مشكلة ناغورني كرباخ وجنوب أوسيتيا (وهي الاقل) وابخازيا وطاجيكستان، وهذه الصراعات ناتجة عن تفكك الدولة المركزية وليست نتيجة التحولات في النظام السياسي، فقد وقع ذلك كله بعد تغير الانظمة لا خلال تغيرها.
خلاصة الامر فان كل ما جرى في 23 دولة او جمهورية (ثماني دول و 15 جمهورية يضمها الاتحاد السوفييتي) لا يتجاوز عدد الضحايا فيها الضحايا في بلد عربي واحد(ايام الربيع العربي) خلال اسبوع .
اما الممتلكات فاذا استثنينا قصف مبنى البرلمان الروسي في 1993( بعد زوال الاتحاد السوفييتي رسميا بحوالي عامين ) قتل في الحادث ما بين 150 الى 200 فرد، اما التدمير الذي اصاب المناطق التي اشرت لها (ناغورني كرباخ والشيشان..الخ) فكان بعد التفكك في معظمه(وهي مناطق اقرب لنمط العالم العربي).
اما النموذج الثاني فهو اسرائيل، فمنذ عودة نيتنياهو للسلطة عام 2022 حتى الاسبوع الماضي ، جرت في اسرائيل 1240(الف و240) مظاهرة، وكلها دون اية ضحية، ودون اي مساس له دلالة بالممتلكات العامة او الخاصة، وبقيت الأجهزة الخشنة بعيدة عن المشهد الا في حالات نادرة لضرورات طبيعية.
بالمقابل لو قدرنا ضحايا العشرية العربية السوداء الماضية فان التقديرات تشير الى ان عدد الضحايا على النحو التالي(المعدل للارقام المنشورة في دراسات اكاديمية):
سوريا 620 الف قتيل
ليبيا 40 الف قتيل
اليمن 320 الف قتيل
مصر 7000 قتيل
تونس حوالي 220 قتيل
اما الاضرار المادية فالتقديرات هي:
سوريا- 67 مليار دولار
ليبيا-80 مليار دولار
اليمن -100 مليار دولار
مصر – خسائر التدمير قليلة ولكن قطاع السياحة خسر خلال فترة الاضطراب حوالي 9 مليار دولار.
ذلك يعني ان التحولات في عدد من الانظمة العربية بلغ حوالي اكثر من مليون قتيل ،وحوالي 250 مليار دولار.
المشكلة الاكبر هي ان دول الكتلة الاشتراكية انتقلت بعد التغيير وفي فترات قصيرة الى مرحلة الاستقرار النسبي المتطور تدريجيا، بينما الدول العربية غرقت في عدم استقرار جعلها تحتل المراكز الاولى في عدم الاستقرار عالميا..ذهب الزعماء المستبدون وتم استبدالهم بمستبدين جدد وزاد التشرذم والتخلف والانفاق العسكري المرافق لهزائم متلاحقة.
ولكي اوضح الفارق واؤكد على “التخلف العام لا التخلف السياسي فقط”، يكفي المقارنة بين اليمن وتشيكوسلوفاكيا، فاليمن تارجحت بين وحدة وانفصال منذ 1990، والآن يعرف كل جزء تشققات داخله ،فاصبح هناك اكثر من شمال واكثر من جنوب(آخرها الشقاق بين المجلس السيادي والمجلس الانتقالي)، لكن هذا التنقل بين الوحدة والانفصال طوى عشرات آلاف القتلى ومليارات الدولارات في التدمير المادي…بينما في تشيكسلوفاكيا وقع الانفصال بين شطري الدولة في عملية أطلقوا عليها ما اسموه “الطلاق المخملي” عام 1993 دون اية مشكلة او طلقة او حجر…ان الفرق يكمن في مفهوم الوطن..فهناك وطن وهناك “عزبة” وهناك مجتمع توفر له الحد الادنى من الحس الجمعي ومجتمع يميل للولاء الادنى باستمرار.
ان ما يجري في سوريا وليبيا والسودان واليمن لا يختلف من حيث دوافعه عن غرائزيات اوهام المكانة بين قادة الخليج حاليا، ولا عن مجتمعات يملأ النفاق والنخب المتورمة شوارعها ، فحيث يغيب العقل والاستقلال النفسي فان اللاوعي هو الذي يسير المجتمع والقادة ، فلو حشرت مجتمعاتنا وقادتنا في عيادة ” فرويدية ” لهلل فرويد لانجازاته…والغريب ان الكل مصاب بذات الأوهام ،لكنه يتصرف كبريء ويلقي بهذه الاوزار على غيره ..فهم نسخة متجددة من رهم بنت الخزرج حين قيل لها “رمتني بدائها وانسلت”، والسكين لا يقطع حجر الصوان بينما يمر في قالب الزبدة بيسر شديد، لان الاول ذو بنية صلبة بينما الثاني هش للغاية، ومن هنا يتكاتف اللاوعي المجتمعي الكامن في الاعماق مع اوهام الرب السلطوي فتتدخل سكين “اليد الخفية الاجنبية” لتوجه الاحداث حيث تريد..ربما.

