حين يصبح #الغلاء #امتحان_كرامة للمواطن الأردني..
#منى_الغبين
لم يعد الغلاء في وطني حالة اقتصادية طارئة، ولا رقما عابرا في نشرة أخبار يمكن احتواؤه ببيان حكومي أو تصريح مهدئ… لقد تحول إلى حالة يومية مرهقة، ثابتة تتحكم بتفاصيل حياة الناس تشكل خياراتهم وعلاقاتهم وحتى أحلامهم…
صار رفيق #المواطن في السوق وفي البيت وعلى طوابير المؤسسات المدنية والعسكرية، وأمام رفوف البقاليات التي تجاوزت دخله وقدرته…
كل شيء يرتفع بلا استثناء…
الإيجارات.. فواتير الكهرباء والمياه والمواصلات والدواء… وحتى الدخان الذي هو عادة سيئة يمكن التخلي عنها، أصبح عبئا إضافيا في ميزانية منهكة لا تنتهي…
وحده الراتب بقي ثابتا، جامدا في مكانه كأنه خارج الزمن والواقع..
في عمان كما في المدن والقرى لم يعد المواطن الفقير يحسب ثمن الخضار بعد أن يختارها، بل يختارها بعد أن يحسب قدرته المادية..
خطواته في السوق محسوبة، ونظره إلى الأسعار حائر مرتبك.. فاتورة الكهرباء رقم خيالي تحولت إلى كابوس نفسي ..
الموظف الحكومي يشكو بصوت منخفض، وكأن الفقر عيب شخصي لا خلل عام يعانيه الجميع…يقول بصوت مرتجف (الراتب خلص قبل ما يبدأ الشهر) ثم يبدأ طقوس الحساب اليومية إيجار بيت، مواصلات، جرة غاز، قسط مدرسة، قسط جامعة، دواء، ومونة تسدّ رمق من ينتظرونه في البيت…
يحاول أن يحافظ على كرامته، لا أكثر لا رفاهية هنا، فقط محاولة بقاء…
أما أسعار الدجاج فقد صارت نشرة يومية والخبز معركة صامتة ورائحة اللحوم ذكرى تستحضر في المناسبات…
وإيجارات الشقق خرجت عن معناها الطبيعي.. لم تعد سكنا ولا طمأنينة،، بل تجارة مفتوحة على جشع بلا سقف معلوم.. تبتلع الرواتب وتدفع الناس إلى ضيق أكبر ومساحات أضيق..
والأكثر إيلاما هم الشباب، من الجنسين عاطلون عن العمل، أو في أحسن الأحوال يعملون بلا دخل ثابت… بعضهم يحمل
شهادات جامعية ودراسات عليا، لكنها لا تجد مكانا أو تقديرا في سوق أغلق أبوابه أمام طموحاتهم… المؤسسات الحكومية لم تعد قادرة على الاستيعاب والقطاع الخاص يرفع لافتة واحدة في وجه الجميع (الخبرة مطلوبة) حتى لو كانت الوظيفة هامشية أو مؤقتة أو بلا قيمة حقيقية!!
المفارقة القاسية أن الخريج يطالب بخبرة لا تتاح له أصلا، فيدور في حلقة مفرغة لا عمل بلا خبرة ولا خبرة بلا عمل!!
ومع هذا العجز، تتراكم الإحباطات وتؤجل الأحلام…
والزواج قصة أخرى من معاناة الشباب… ما كان مشروع حياة بسيطا صار شبه مستحيل.. الأعراس مكلفة، ومظاهر اجتماعية لا تشبه قيمنا ولا عاداتنا.. صالات وفنادق وقروض بنكية تمتد لسنوات طويلة…
كثير من الشباب يؤجل الزواج، وبعضهم يرفض الفكرة من أساسها لا كرها بالاستقرار لكنه الخوف من المجهول والدخول في أزمات لا حلول لها…
ومع هذا الضيق الاقتصادي المرهق، نعيش أيضا أزمات أخرى.. ارتفاع نسب الطلاق تفكك أسري ،،انتشار المخدرات..
توتر اجتماعي،، وانكسارات نفسية لا تحصى…
هذه ليست ظواهر منفصلة، بل نتائج مباشرة لواقع مفروض ومستقبل غير واضح المعالم…
وإذا كان هذا حال المواطن في المدينة،، فكيف الحال في البوادي والقرى!!!!!!؟
حيث الفرص أقل والخدمات أضعف والهجرة إلى المدن لم تعد حلا بل عبئا إضافيا…
الحقيقة التي لا بد من قولها إن المواطن الأردني لا يرفض العمل لكن توضع في طريقه عوائق قبل أن يبدأ مشواره الطويل…
هو لا يطلب المستحيل،، بل يطلب كرامة وحقا مشروعا بين ما يعيش وما يستحق….
نعم المسؤولية الفردية مطلوبة، لكن لا يمكن للأفراد وحدهم مواجهة اختلالات اقتصادية واجتماعية متراكمة لا نهاية لها…
الحلول ليست سحرية لكنها ممكنة.. سياسات اقتصادية عادلة تخفيف أعباء الضرائب وتنظيم واقعي لسوق العمل وبرامج تشغيل فعلية لا دعائية من أجل الإعلام،، إلى جانب مراجعة صادقة لثقافة المظاهر والعودة إلى البساطة…
في النهاية لا يمكن اختزال ما نعيشه اليوم في أرقام موازنات أو مؤشرات نمو تعرض على الشاشات… فالأزمة الحقيقية تقاس بقدرة المواطن على العيش بكرامة وبشعوره بالاستقرار والطمأنينة على مستقبله ومستقبل أبنائه…
وحين يتحول الغلاء إلى عبء يومي يضغط على تفاصيل الحياة..يصبح من الطبيعي أن تتزايد التساؤلات والقلق لا بدافع الاعتراض لكن من باب الحرص على النسيج الاجتماعي…
الأردن وطن اعتاد مواجهة التحديات وقوته كانت دائما في وعي ناسه وصبرهم… وما يعبر عنه المواطن اليوم ليس رفضا للواقع ولا تشكيكا بالمؤسسات لكن رغبة صادقة في أن تدار المرحلة بحس أقرب للناس.. وبسياسات تراعي التوازن بين الإمكانات والاحتياجات وتحمي الفئات الأكثر تأثرا بما يعزز الاستقرار ويحفظ الكرامة العامة…
وطرح هذه الهواجس لا يخرج عن إطار المسؤولية الوطنية ولا يتعارض مع حب الوطن والانتماء له فالكلمة الصادقة الهادئة ليست خصما للدولة بل جزء من مناعتها ومن حق الناس أن يسمع صوتهم كما هو من واجب الجميع أن يبقى الأردن متماسكا قويا بأبنائه وقادرا على تجاوز أزماته بروح العدالة والتكافل…

