تثير مسألة خضوع البرمجيات الحاسوبية للحماية بموجب قانون حق المؤلف الأردني إشكالًا قانونيًا حديثًا، يواجهه المحامون والمشتغلون في المجال القانوني على حد سواء، فمع أن المشرّع الأردني نص صراحة على حماية برامج الحاسوب، إلا أن الجدل لا يزال قائمًا حول طبيعتها القانونية: هل تُعد مصنفات أدبية بالمعنى التقليدي، أم أنها كيان تقني مستقل يخضع لنظام خاص؟
تتمثل المشكلة في التكييف القانوني للبرمجيات، ولا سيما الشفرة المصدرية (Source Code)، فهي ليست نصًا أدبيًا بالمعنى المألوف، ولا عملًا فنيًا تقليديًا، بل هي بنية منطقية رقمية تؤدي وظيفة عملية، ومع ذلك، فهي تتضمن جهدًا فكريًا وإبداعًا شخصيًا من المبرمج، ما يجعلها أقرب إلى مفهوم “المصنف” في فلسفة حق المؤلف، هذا التداخل بين الطبيعة التقنية والصفة الإبداعية هو جوهر الإشكال.
المشرّع الأردني عالج المسألة بنص واضح في المادة (3/ب/8) من قانون حماية حق المؤلف، حيث شمل الحماية “برامج الحاسوب سواء كانت بلغة المصدر أو بلغة الآلة”، وهذا النص يقطع الشك من الناحية التشريعية، ويؤكد خضوع البرمجيات لنظام الحماية المقرر للمصنفات.
وعلى الصعيد الدولي، عززت الاتفاقيات هذا الاتجاه، فقد نصت المادة (10/1) من اتفاقية تريبس على حماية برامج الحاسوب باعتبارها أعمالًا أدبية وفقًا لـ اتفاقية برن، كما أكدت معاهدة الويبو بشأن حق المؤلف في مادتها الثالثة ذات المبدأ، معتبرة برامج الحاسوب مصنفات أدبية أيا كانت طريقة التعبير عنها.
غير أن اعتبار البرمجيات “أعمالًا أدبية” لا يعني أنها تشبه الرواية أو المقال من حيث الطبيعة، بل المقصود أنها تتمتع بذات الحقوق المقررة للمصنفات الأدبية، وهنا يجب التمييز بين “الطبيعة” و”الحقوق”: فالبرمجيات ليست أدبية بطبيعتها، لكنها محمية بحقوق أدبية ومالية مماثلة.
وبما أن الأردن انضم إلى هذه الاتفاقيات الدولية، فإن أحكامها تصبح جزءًا من منظومته القانونية، مما يرسخ الحماية القانونية للبرمجيات داخل الإقليم الأردني، وبالرجوع إلى المواد (8) و(9) من قانون حماية حق المؤلف الأردني، نجد أن المبرمج يتمتع بحقوق أدبية غير قابلة للتنازل، مثل نسبة المصنف إليه، ومنع تشويهه أو تحريفه، وحق تقرير نشره، كما يتمتع بحقوق مالية، منها الاستنساخ، والترجمة، والتوزيع، والتأجير، والإتاحة للجمهور.
إذن، من حيث المبدأ، الحماية قائمة سواء سُجّلت البرمجية أم لا، إذ إن الحماية وفقًا لاتفاقية برن تقوم تلقائيًا بمجرد الابتكار، وقد أكد القانون الأردني في المادة (45) أن عدم الإيداع لا يخل بحقوق المؤلف.
لكن يبقى السؤال العملي: ما الحل لتفادي النزاعات وضمان حماية فعالة؟
الحل يتمثل في الجمع بين الحماية التلقائية والإجراء الشكلي، فمع أن التسجيل ليس شرطًا لقيام الحق، إلا أنه يُعد وسيلة إثبات قوية أمام القضاء، لذلك يُنصح المبرمجون والشركات بإيداع البرمجيات أو الشفرة المصدرية لدى الجهات المختصة، مع الاحتفاظ بسجلات زمنية توثق مراحل التطوير، كما يُستحسن تضمين العقود التقنية بنودًا واضحة بشأن الملكية الفكرية، خاصة في حالات العمل التعاقدي أو العمل لحساب الغير.
في الختام، يمكن القول إن الإشكال المتعلق بطبيعة البرمجيات لا ينال من حمايتها القانونية، فالقانون الأردني، مدعومًا بالاتفاقيات الدولية، أقر مبدأ الحماية بوضوح، والتحدي الحقيقي لا يكمن في وجود النص، بل في حسن توظيفه إجرائيًا لضمان حماية فعالة في بيئة رقمية تتسم بسرعة التطور وكثرة النزاعات.
