أثار قرار السلطات البريطانية منع مسيرة “يوم القدس” التي كان من المقرر تنظيمها في العاصمة لندن يوم الأحد المقبل جدلاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والسياسية، وسط نقاش متصاعد حول حدود حرية التظاهر في بريطانيا، خاصة فيما يتعلق بالفعاليات المرتبطة بالقضية الفلسطينية وتطورات الشرق الأوسط.
ويأتي القرار في ظل مناخ سياسي حساس تشهده البلاد، مع تزايد التوترات المرتبطة بالتظاهرات المتصلة بالحرب في غزة والصراعات الإقليمية، الأمر الذي دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات أكثر تشدداً تجاه بعض الأنشطة الجماهيرية.
قرار يمزج بين الدوافع السياسية والأمنية
وفي هذا السياق، قال رئيس “منتدى التواصل الأوروبي الفلسطيني” (مقره لندن) زاهر بيراوي إن القرار لا يعني منع الفعالية بالكامل، وإنما منع شكلها المعتاد كمسيرة متحركة.
وأوضح بيراوي في حديثه لـ”قدس برس” أن السلطات البريطانية “لم تمنع التظاهرة منعاً تاماً، لكنها منعت المسيرة المتحركة التي تنتقل من نقطة إلى أخرى كما جرت العادة، وتم تحويلها إلى تجمع ثابت”.
وأضاف أن مسيرة يوم القدس تُنظم في بريطانيا منذ نحو أربعين عاماً دون تسجيل حوادث عنف تُذكر، مشيراً إلى أن الجهات المنظمة جمعيات بريطانية مرخصة تلتزم بالقوانين المحلية، رغم الاتهامات المتكررة بارتباطها بخط سياسي قريب من إيران.
ولفت إلى أن السلطات الأمنية تستند أحياناً إلى حوادث فردية سابقة، مثل رفع أعلام “حزب الله” خلال بعض التظاهرات، لتبرير مخاوفها من احتمال خرق القوانين.
ورأى بيراوي أن القرار يعكس تداخلاً بين الاعتبارات السياسية والأمنية، موضحاً أن الأجواء السياسية المرتبطة بتصاعد التوتر في الشرق الأوسط، خاصة بعد التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة أخرى، أسهمت في دفع الأجهزة الأمنية إلى التوصية بعدم تنظيم المسيرة بالشكل المعتاد خشية حدوث اضطرابات.
كما أشار إلى أن جماعات الضغط المؤيدة للاحتلال تلعب دوراً مؤثراً في التضييق على التظاهرات الداعمة لفلسطين في بريطانيا.
وقال إن “اللوبي (الإسرائيلي) بمؤسساته المختلفة، القانونية والإعلامية والسياسية، مارس ضغوطاً على الحكومة البريطانية وعلى أعضاء في البرلمان لاتخاذ إجراءات تحدّ من هذه المسيرات”، مضيفاً أن بعض وسائل الإعلام البريطانية تبنّت توصيفات لهذه الفعاليات باعتبارها “مسيرات كراهية”.
وأضاف أن السلطات الأمنية كثيراً ما تستند إلى مخاوف من وقوع صدامات بين المشاركين في هذه المسيرات ومتظاهرين مضادين من جماعات يمينية أو مؤيدة للاحتلال، لتبرير فرض القيود عليها.
وكانت السلطات البريطانية قد قررت حظر مسيرة “يوم القدس”، وذلك بعد أن تقدمت شرطة العاصمة بطلب رسمي إلى وزارة الداخلية محذرة من مخاوف أمنية واحتمال وقوع اضطرابات عامة.
وقد وافقت وزيرة الداخلية شابانا محمود على الطلب، معتبرة أن الحظر يهدف إلى منع ما وصفته بـ”اضطرابات عامة خطيرة”.
ويُعد هذا القرار استثنائياً في السياق البريطاني، إذ نادراً ما تلجأ السلطات إلى منع التظاهرات بشكل كامل، حيث تفضّل عادة فرض قيود تنظيمية مثل تغيير مسار المسيرة أو تقليص أعداد المشاركين أو تحديد أماكن الاحتجاج بدلاً من الحظر الشامل.
وتُنظم مسيرة “يوم القدس” في لندن منذ عقود، وغالباً ما تقام في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، بهدف التعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني ورفض الاحتلال الإسرائيلي.
غير أن هذه الفعالية ظلت محل جدل سياسي في بريطانيا، خاصة بعد قرار الحكومة البريطانية عام 2019 تصنيف “حزب الله” بجناحيه السياسي والعسكري منظمة محظورة، في ظل اتهامات من بعض المنتقدين بارتباط المسيرة تاريخياً بإيران التي أطلقت فكرة “يوم القدس” عقب الثورة الإيرانية عام 1979.
في المقابل، يؤكد منظمو المسيرة أن الفعاليات التي أُقيمت خلال السنوات الماضية جرت بشكل سلمي ومنظم، وأن التضامن مع القضية الفلسطينية لا ينبغي اعتباره تهديداً أمنياً، فيما يرى ناشطون أن منع المسيرات بشكل كامل قد يشكل سابقة مقلقة في تقييد حرية الاحتجاج في بريطانيا.
