لم يكن مشهد عودة بعض أهالي غزة عبر معبر رفح، بعد
فتحه بشكل محدود جدا ومقيّد، حدثاً إنسانياً عابراً، بل لحظة سياسية ووطنية مكثفة
تعكس بطولة شعب لا يُقهر وتكشف جوهر ما يتعرض له القطاع منذ سنوات: إدارة الحياة
الفلسطينية عبر المعابر، والتحكم بمقومات الحية الأساسية بقرارات أمنية، وتحويل
الحقوق الطبيعية إلى تفاهمات دولية واستثناءات مؤقتة.
الفرح الذي ارتسم على وجوه العائدين لم يكن تعبيراً عن
انفراج حقيقي، بل عن انتصار محدود على المحتل الذي فرض المنع والإغلاق. فمعبر رفح،
الذي يفترض أن يكون شريان حياة، تحوّل بفعل الحصار إلى أداة ضغط تُغلق وتُفتح وفق
حسابات سياسية وأمنية ودعائية، في إطار سياسة عقاب جماعي ممنهجة لا تهدف إلى إنهاء
الأزمة والمعاناة الإنسانية، بل إلى إستغلالها وتوظيفها لتلميع الوجه القبيح
للمجرم المحتل.
فتح مقيّد… وحصار يُدار لا يُكسر
الفتح الجزئي للمعبر، بإجراءاته المعقّدة وتدقيقه
القاسي والفاشي، لا يشكّل كسرًا للحصار، بل إعادة إنتاج له بصيغة جديدة أقل صخباً.
فالحق في التنقل ما زال خاضعاً لمعايير أمنية صارمة، ويُستخدم الفتح المحدود، الذي
ظاهره الرحمه وباطنه العذاب، لتسويق صورة زائفة عن “تحسن إنساني”
وامتثال شكلي لإتفاق وقف الحرب على غزة، بينما تستمر القيود الفعلية المضاعفة
والمشددة والمهينة على الحركة والمساعدات الإنسانية والإعمار.
وقد كشفت شهادات عائدين عبر المعبر، تناقلتها وسائل
إعلام دولية، الوجه الحقيقي لهذا “الفتح القبيح”. إذ تحدّث بعضهم عن
تعرّضهم لتحقيقات قاسية ومضايقات مباشرة من قبل جيش الاحتلال وعملائه من المليشيات
المسلحة، شملت تعصيب الأعين، وتقييد الأيدي لساعات، وتهديدات تمسّ العائلة
والأبناء، إضافة إلى محاولات ابتزاز وضغوط نفسية واستخباراتية. هذه الشهادات لا
تترك مجالاً للشك في أن المعبر لا يُدار كمنفذ إنساني، بل كأداة أمنية لردع
العودة، ودفع الفلسطيني إلى التفكير بالرحيل بدلاً من البقاء.
العودة رغم الدمار… رفض صريح للتهجير
سياسياً، تتجاوز أهمية هذا المشهد لحظة العبور نفسها،
لتكمن في إصرار الغزيين على العودة إلى قطاع مدمّر ومحفوف بالمخاطر، ورفضهم الهجرةوالتوطين رغم استحالة الظروف المعيشية
وإغراءات الرحيل. ففي عالم يهرب فيه الناس عادة من ويلات الحروب، يختار أهل غزة
العودة إلى قلب الخطر ومرارة المعاناة، إدراكاً منهم أن الرحيل في هذا السياق ليس
خياراً فردياً بريئاً، بل مدخلاً لمشروع أوسع يستهدف تفريغ الأرض من سكانها.
هذا الإصرار على البقاء ينسف السرديات التي تحاول
تسويق الهجرة كحل إنساني، ويكشفها كأداة ضغط سياسية بعد فشل أدوات التدمير والتكيل
المباشرة. فالعودة إلى غزة، رغم الدمار والركام
وغياب مقومات الحياة، تتحول إلى موقف بطولي وسياسي واضح في مواجهة التهجير المقنّع
وإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا.
البقاء كشكل من أشكال المقاومة المدنية
عاد كثيرون ليجدوا بيوتهم مدمّرة وخدمات منهارة
ومستقبلاً غامضاً، ومع ذلك فضّلوا مواجهة واقع قاسٍ ومرير داخل القطاع على حياة
أكثر أمناً خارجه. في هذا الخيار يتجسّد معنى المقاومة المدنية الصامتة: البقاء في
الوطن حين يصبح الوطن ذاته مستهدفاً.
هذا السلوك الاستثنائي يستحضر في الوعي الجمعي
الفلسطيني معنى الرباط التاريخي في فلسطين عامة وأرض عسقلان(غزة) خاصة، حيث يتحوّل
الثبات إلى فعل بطولي بامتياز، ورسالة واضحة بأن أرض الأجداد ليست قابلة
للاستبدال، وأن الفلسطيني لن يتحول إلى لاجئ طوعي مهما طال الحصار وتعددت اساليب
التنكيل التي يمارسها المحتل الغاصب.
مسؤولية المجتمع الدولي: من الإدانة إلى الإلزام
أمام هذا الواقع، لا يعود مقبولاً الاكتفاء ببيانات
القلق أو الدعوات الدبلوماسية الفضفاضة. تقع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية
قانونية وأخلاقية للضغط الحقيقي على دولة الاحتلال، بل إجبارها على فتح معبر رفح
فتحاً كاملاً ودائماً وغير مقيّد، وإنهاء الحصار الصهيوني المفروض على قطاع غزة.
وأخيرا، بعد عقود من الحروب المتكررة على القطاع
والحصار والعقاب الجماعي، بات ما يعيشه سكان غزة حالة استثنائية من المعاناة
المنهجية التي لم يتعرض لها أي شعب آخر على وجه الأرض. إن حق الغزيين في التنقل
والعلاج والعمل والحياة الكريمة وإدارة وطنهم، ليس منّة ولا ورقة تفاوض، بل حق
أصيل كفلته القوانين الدولية وتضمنته إتفاقية وقف الحرب، وأي تهاون في فرضه يعني
استمرار التواطؤ والتستر على جرائم دولة الإحتلال.
