أخبار

جو 24 : أُمَّةٌ تَصمُتُ وَهُبَلٌ يَحكُمُ

جو 24 : أُمَّةٌ تَصمُتُ وَهُبَلٌ يَحكُمُ


جو 24 :

 أعادوا لنا زمن الجاهلية لا كما عرفها التاريخ ولا كما حكاها الرواة بل كما صاغتها المصالح الحديثة جاهلية تعرف كيف تسمي القتل إجراء وكيف تحول المجزرة إلى تفصيل وكيف تقنع العالم أن الدم إذا كان عربيا فهو قابل للتفاوض

لم يعد الصنم حجرا يعبد في وضح النهار بل صار فكرة عامة ونظاما سياسيا ومنهجا عالميا يتحرك بين العواصم الكبرى ويجلس على الطاولات المستديرة ويخرج ببيانات محسوبة لا تنقذ إنسانا واحدا

صنعوا لأنفسهم هبلا جديدا من صمت طويل تراكم عبر السنين ومن اعتياد مخيف على رؤية الألم ومن خطاب رسمي مدروس يفرغ الكلمات من معناها حتى تفقد العدالة وزنها وتفقد الحقيقة صوتها

هذا الهبل الحديث لا يحتاج إلى من يحمله على الأكتاف لأنه محمول على الخوف وعلى المصالح وعلى رغبة كثيرين في النجاة الفردية ولو على حساب وطن كامل

ألبسوه ثوب الجوخ ليخفوا به عورته السياسية وليمنحوه دفئا زائفا اسمه الواقعية وليقنعوا الناس أن ما يحدث لا بد منه وأن الاعتراض ترف وأن الغضب عبث

ثم نادوا يا عرب من يمسح الجوخ عن رأس هبل ولم يكن النداء بريئا بل كان تحديا صريحا واختبارا للضمير ومن يجرؤ على الرؤية ومن يفضل العمى

لم يطلبوا تحطيم الصنم ولا إسقاط المنظومة ولا مواجهة القوة بل طلبوا فقط كشفها لكن كشف الحقيقة في هذا الزمن أخطر من حمل السلاح لأن الحقيقة تفضح وتعرّي وتكسر الهيبة المصطنعة

في الجاهلية الأولى كان الصنم واضح الشكل محدد الملامح يعرفه الناس ويعرفون أنه باطل أما اليوم فالصنم يتبدل ويغير أقنعته ويتقن لغة القانون والإعلام ويقف خلف شعارات إنسانية تخفي نوايا دموية

في زمن هذا الهبل الحديث تصير الإبادة دفاعا عن النفس ويصبح الحصار إجراء أمنيا وتتحول المجاعة إلى ظرف طارئ وتغدو صرخات الأطفال مادة جدل لا أكثر

هبل اليوم يحدد سقف التعاطف ويقنن الغضب ويمنح بعض الدماء حق الحزن الكامل ويحرم دماء أخرى حتى من الذكر العابر

يعبد هذا الهبل بالصمت الطويل وبالتطبيع البارد وبالبيانات الرمادية وبإعادة تعريف الضحية حتى تصبح مسؤولة عن موتها وكأنها اختارت القتل طريقا

أعادوا لنا زمن الجاهلية ولكنهم تناسوا أن هذه الأمة مهما انكسرت ومهما طال ليلها لا تزال تحتفظ بذاكرة تعرف الصنم حين تراه وتعرف النبي حين يذكر

محمد صلى الله عليه وسلم لم يكسر الأصنام لأنه يملك القوة بل لأنه امتلك الوضوح والوضوح حين يواجه الباطل يسقطه ولو بعد حين

وما دام في هذه الأمة من يكتب ومن يرفض ومن يصر على تسمية الأشياء بأسمائها فلن ينقذ هبل لا الجوخ ولا الشرعية ولا صمت العالم لأن الأصنام تموت حين تكشف

 



Source link

السابق
ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 71,660
التالي
استعادة جثة آخر محتجز إسرائيلي في غزة