في ظل تصاعد الحرب الصهيو-أمريكية على إيران ، وانتقالها من الميدان إلى طاولة التفاوض، تكتسب محادثات إسلام آباد أهمية استثنائية بوصفها اختبارًا حقيقيًا لميزان الإرادات بين طرفين لم ينجح أيٌّ منهما في حسم الصراع لصالحه بالقوة. فبعد أن تراجعت رهانات إسقاط النظام الإيراني، باتت الأنظار تتجه نحو سؤال أكثر واقعية: هل تستطيع الضغوط العسكرية والتهديدات القصوى أن تُترجم إلى مكاسب سياسية على طاولة الحوار، أم أن استراتيجية الصمود الإيرانية ستفرض حدودها على أي تسوية؟
جبهة القوة: الإكراه التفاوضي واستعراض العضلات
تدخل الولايات المتحدة هذه الجولة وهي تستند إلى ما تعتبره “رصيد قوة”: ضربات موجعة، تفوق عسكري، وقدرة على فرض عقوبات خانقة. وترى واشنطن أن هذا المزيج من الضغط العسكري والاقتصادي يمكن أن يدفع طهران إلى تقديم تنازلات ملموسة. وفي هذا السياق، يبرز التصعيد العسكري الذي قاده نتنياهو ضد لبنان بموافقة ترامب، تحت عنوان توجيه ضربة قاصمة إلى حزب الله، كجزء من محاولة رفع سقف الضغط عشية المفاوضات. هذه الخطوة تُقرأ كرسالة مزدوجة: استهداف أدوات النفوذ الإيراني، وتحسين شروط التفاوض عبر فرض وقائع ميدانية جديدة.
هل تنجح الضربات في كسر الإرادة؟
رغم قوة هذا النهج، تبقى نتائجه غير مضمونة. فاستهداف الحلفاء لا يؤدي بالضرورة إلى إضعاف موقف طهران، بل قد يدفعها إلى مزيد من التشدد، خشية أن يُفسَّر أي تراجع على أنه رضوخ. وهنا تظهر حدود القوة عندما تُستخدم كأداة تفاوضية: فهي قد ترفع كلفة الرفض، لكنها لا تضمن القبول.
جبهة الصمود: امتصاص الضربات وإعادة التموضع
في المقابل، تصل إيران إلى إسلام آباد بمنطق مختلف. فهي تتعامل مع الضغوط كاختبار للصمود، لا كمقدمة لتنازلات كبرى. وقد أثبتت قدرتها على امتصاص الصدمات، مع الحفاظ على ثوابتها الاستراتيجية، بل وتحويل الضغوط إلى فرصة لإعادة ترتيب أوراقها وتعزيز أدوات الردع.
سلاح الطاقة: ورقة مضيق هرمز الحاسمة
يُضاف إلى ذلك امتلاك طهران ورقة اقتصادية استراتيجية تتمثل في قدرتها على التأثير في تدفق النفط العالمي عبر مضيق هرمز. هذه الورقة تمنحها قدرة على نقل الصراع إلى مستوى الاقتصاد العالمي، ما يرفع كلفة الضغط عليها بشكل كبير. وفي هذا السياق، يبدو “سلاح المضيق” أداة ردع اقتصادي قد تفوق في تأثيرها سلاح العقوبات، وإن كان استخدامها الفعلي يبقى محفوفًا بالمخاطر.
سقف المفاوضات: تسويات محدودة لا تحولات كبرى
ضمن هذه المعادلة المعقدة، تبدو المفاوضات أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى حل جذري. قد تنجح واشنطن في تحقيق تعديلات جزئية في السلوك الإيراني، وقد تبدي طهران مرونة تكتيكية، لكن دون المساس بجوهر استراتيجيتها. ما يعني أن أي اتفاق محتمل سيكون مرحليًا، هشًا، وقابلًا للانهيار.
الخلاصة: لا غالب… بل توازن هش
في المحصلة، قد لا يكون السؤال “من سيربح؟” هو الأدق، بقدر ما هو “من سيخسر أقل؟”. فمحادثات إسلام آباد تمثل جولة في صراع طويل، حيث تتداخل القوة مع الصمود، والسلاح العسكري مع الاقتصاد، والضغط مع التفاوض. والنتيجة الأرجح ليست انتصارًا حاسمًا، بل توازنًا هشًا بين القوة والصمود يُبقي الصراع مفتوحًا على جولات قادمة.
