رفعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، من حدة اللهجة في مواجهة التهديدات المتكررة التي يطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غرينلاند، بعدما أعلن عزمه عقد اجتماع يضم “الأطراف المختلفة” حول هذا الملف في المنتجع السويسري.
ويطمح ترامب إلى السيطرة على هذا الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي والتابع للدنمارك، مبرراً ذلك بدواعٍ أمنية في مواجهة النفوذ الروسي والصيني، وهو ما أثار استياء حلفائه الأوروبيين داخل حلف شمال الأطلسي، رغم نجاحه في فرض القضية على جدول أعمال منتدى دافوس المنعقد طوال الأسبوع.
ووجّه ماكرون، باسم أوروبا، رسالة مزدوجة إلى كل من الرئيسين الأميركي ترمب والصيني شي جين بينغ، أكد فيها رفض سياسة الرئيس الأمريكي إخضاع القارة العجوز بالرسوم الجمركية، وعبّر في المقابل عن ترحيبه بشراكة مشروطة مع الصين، فيما بدا أنه استخدام نادر من قِبل حليف أساسي في الناتو لورقة بكين في وجه واشنطن على خلفية أزمة غرينلاند.
وأضاف ماكرون، في حديثه خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أن على أوروبا حل مشاكلها الرئيسية كضعف النمو والاستثمار، وأشار إلى أن “العالم وصل إلى زمن من عدم الاستقرار وعدم التوازن، سواء من منظور الأمن والدفاع أو من منظور الاقتصاد”.
وتابع قائلاً: “تحولنا نحو عالم بلا قواعد، حيث يُداس القانون الدولي تحت الأقدام، وحيث القانون الوحيد الذي يبدو مهماً هو قانون الأقوى. وتظهر الطموحات الإمبراطورية مجدداً”.
نرحب بالصين لكن..
ماكرون دعا إلى إعادة هيكلة نمط العلاقة الاقتصادية مع الصين من الاستيراد إلى الاستثمار. حيث قال إنه يرحب بالصين كشريك، لكن على قاعدة أن أوروبا بحاجة لمزيد من الاستثمارات الصينية المباشرة في عدد من القطاعات الرئيسية “للمساهمة في نمونا، وليس فقط لتصدير بعض الأجهزة أو المنتجات التي قد لا تلتزم بالمعايير نفسها أو تحظى بدعم حكومي أكبر بكثير من تلك المنتجة في أوروبا”.
وأضاف أن هذا النهج “ليس تصرفاً حمائياً، بل هو مجرد استعادة لتكافؤ الفرص وحماية صناعتنا”.
لكنه اعتبر في المقابل أن “النموذج الاقتصادي الصيني يعاني من خلل بنيوي، بما في ذلك الدعم غير العادل للصادرات الذي يشكل تهديداً للصناعة الأوروبية”.
وأوضح أن المطلوب ليس القطيعة مع بكين، بل إعادة التوازن عبر دعوة الصين لاستثمار مباشر في مشاريع ذات قيمة مضافة داخل أوروبا، وحماية السوق الأوروبية من المنتجات المدعومة حكومياً، وتقليل الاعتماد المفرط على الصين في سلاسل التوريد الحيوية، مثل المواد الخام وأشباه الموصلات.
ماكرون ينتقد أميركا
ماكرون انتقد المنافسة الشرسة من الولايات المتحدة الأميركية من خلال اتفاقيات التجارة التي قال إنها تقوّض المصالح التصديرية للاتحاد وتطالب بأقصى التنازلات، وأضاف: “الرسوم الجمركية تهدف علناً إلى إضعاف أوروبا، مع تراكم لا نهاية له من الرسوم الجديدة التي هي في جوهرها غير مقبولة، وخاصة عندما تُستخدم كأداة ضغط على السيادة الإقليمية”.
يأتي حديث ترمب بينما يتصاعد التوتر بين رؤساء دول الاتحاد الأوروبي من جهة والرئيس الأميركي ترمب بسبب الرسوم الجمركية وأيضاً مساعي واشنطن لشراء جزيرة غرينلاند. وقد وجّه ترمب انتقاداً لاذعاً لماكرون هذا الأسبوع لرفضه الانضمام إلى “مجلس السلام” لغزة، وهدّد بفرض تعريفة جمركية بنسبة 200% على النبيذ الفرنسي.
الرئيس الفرنسي دعا إلى مزيد من الحماية في الاتحاد الأوروبي، وقال: “الحماية لا تعني الحمائية، والأوروبيون اليوم ساذجون للغاية لأن أسواقهم الفريدة مفتوحة للجميع”. وشدد في هذا الصدد على ضرورة تعزيز مبدأ الأفضلية الأوروبية في مختلف القطاعات.
وأعلن الرئيس الأميركي خلال عطلة نهاية الأسبوع عن فرض تعريفة جمركية بنسبة 10% على البضائع القادمة من ثماني دول أوروبية اعتباراً من الأول من فبراير، على أن ترتفع إلى 25% في يونيو، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن “شراء غرينلاند”. وقد أطلق ترمب هذا التهديد بعد أن أعلن الحلفاء عزمهم إجراء مناورات عسكرية رمزية لحلف الناتو في الإقليم الدنماركي شبه المستقل.
ويرى ماكرون أنه “يتعين على أوروبا تعزيز أدواتها الدفاعية التجارية، لفرض المعايير التنظيمية، وتحسين جودة وقيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تستهدف المشاريع ذات الإمكانات التصديرية القوية”، وقال إن “هذا أمر أساسي لإعادة التوازن مع الصين”.
عودة الطموحات الإمبريالية
في خطاب اتسم بالصراحة، قال ماكرون إن “أكثر من 60 نزاعاً دموياً اندلع في عام 2024 وحده، وهو رقم قياسي يعكس تطبيع العنف، وامتداده إلى الفضاء، والتقنية، والسيبرانية، والتجارة”. وأضاف: “ما نشهده هو عودة الطموحات الإمبريالية على حساب القانون الدولي”.
ورأى أن انكفاء القوى الكبرى عن مؤسسات العمل الجماعي، وخروج بعض الدول من الأطر التعددية، أضعف أدوات الحل السلمي وعمّق الفجوات الاقتصادية، مشدداً على أن السبيل للخروج من هذا الوضع يكمن في “التعاون الفعّال، وتعزيز السيادة الاقتصادية، لا سيما داخل أوروبا”.
الرؤية الاقتصادية والاستراتيجية
أشار ماكرون إلى أن رئاسة فرنسا لمجموعة السبع هذا العام تحمل هدفاً محورياً: إعادة تشكيل المجموعة كمنصة للتشخيص الجماعي، وصوغ حلول عملية للاختلالات الاقتصادية العالمية، والتي حدّدها في: “الاستهلاك المفرط في أميركا، وقلة الاستهلاك في الصين، وضعف الاستثمار والتنافسية في أوروبا”.
واعتبر أن “الحروب التجارية، وتصاعد الحمائية، لن ينتجا سوى خاسرين”، داعياً إلى “بناء توازن جديد يقوم على الاستثمار والعدالة التجارية لا على التهديدات والتعريفات الجمركية”.
ثلاثية أوروبا الاقتصادية: الحماية، التبسيط، والاستثمار
كشف ماكرون عن استراتيجية ثلاثية لتعزيز القدرة التنافسية الأوروبية، تبدأ بالحماية الذكية للأسواق دون انزلاق إلى الحمائية، مؤكداً أن “أوروبا تفتح أسواقها للجميع، بينما لا تحصل على المعاملة بالمثل”. وأشار إلى أن بعض القطاعات “تُسحق بسبب الدعم غير العادل، خاصة من الصين”.
ودعا إلى اعتماد مبدأ “الأفضلية الأوروبية” في المشتريات العامة، أسوة بما تقوم به الولايات المتحدة، مطالباً المفوضية الأوروبية بتقديم مقترح طموح مطلع 2026، بالشراكة مع ألمانيا.
أما المحور الثاني، فهو التبسيط التنظيمي، لا سيما في قطاعات السيارات، والكيميائيات، والذكاء الاصطناعي، والقطاع المصرفي. “يجب التخلص من اللوائح التي تفصل أوروبا عن الواقع الصناعي العالمي”، بحسب تعبيره.
وفي المحور الثالث، شدد الرئيس الفرنسي على ضرورة تحفيز الاستثمار، خصوصاً في الابتكار، والدفاع، والتقنيات المتقدمة، مشيراً إلى فجوة كبيرة بين أوروبا والولايات المتحدة في حجم الاستثمارات الخاصة والعامة.
التمويل والاستثمار المحلي
لفت ماكرون إلى أن المدخرات الأوروبية تُوظّف خارج القارة، داعياً إلى تفعيل “اتحاد أسواق رأس المال”، لتوجيه هذه السيولة نحو الابتكار الأوروبي. وقال: “لدينا مدخرات أكثر من أميركا، لكنها لا تستثمر في مستقبل أوروبا”.
فون دير لاين تحذّر من دوامة لن تخدم إلا الخصوم
وقالت فون دير لايين في خطابها أمام المنتدى: “الانزلاق إلى دوامة تراجع لن يخدم إلا خصومنا الذين نحن جميعاً عازمون على إبقائهم بعيداً. ولذلك سيكون ردنا حازماً وموحداً ومتناسباً”.
كما اعتبرت فون دير لايين أن فرض رسوم جمركية إضافية، كما تهدد واشنطن بعض الدول الأوروبية المعارضة لطموحاتها في غرينلاند، سيكون “خطأً، لا سيما بين حلفاء قدامى”.
وذكّرت بأن “الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة توصلا إلى اتفاق تجاري في يوليو الماضي، وفي السياسة كما في الأعمال، الاتفاق هو اتفاق”.
(الشرق + وكالات)
