أخبار

تحركات السفير الأميركي والارتدادات غير المرئية

تحركات السفير الأميركي والارتدادات غير المرئية


تحركات #السفير_الأميركي و #الارتدادات غير المرئية

بقلم: #محمد_يوسف_الشديفات

لم تكن تحركات السفير الأميركي داخل الأردن، في حدّ ذاتها، أمرًا خارج المألوف. هي تحركات دبلوماسية معروفة، تتكرر في عواصم كثيرة وبأشكال مختلفة. لكن ما منحها هذا الثقل الإضافي هو التوقيت، والصفة، والسياق الداخلي الذي جاءت فيه. فجأة، لم تعد مجرد زيارات أو لقاءات، بل أفعالًا أُخضعت لقراءة تتجاوز نواياها المباشرة، ووضِعت تحت مجهر داخلي شديد الحساسية.

ما جرى لم يُنظر اليه بوصفه رسالة موجهة للخارج، بل كاختبار غير معلن لمدى فهم السفارة لتعقيدات توازن داخلي دقيق. لذلك، جاءت الارتدادات إلى الداخل أكثر مما اتجهت إلى الخارج، وأعادت فتح أسئلة ظُنّ طويلاً أنها مؤجلة أو محسومة: علاقة الشارع بالدولة، وحدود المقبول، وما الذي تغيّر فعلاً تحت سطح الاستقرار الظاهري.

  • Untitled 1

في الحسابات السياسية الباردة، يبقى الغضب الصاخب أسهل في الإدارة من الصمت. الغضب يُرى، يُقاس، وله عمر افتراضي معروف. أما الصمت، فهو غامض بطبيعته، لا يكشف عمّا يجري في العمق. الأخطر من الاثنين هو المساحة الرمادية بينهما: وعي حاضر، بلا ضجيج، وبلا انفجار. هذه المنطقة تحديدًا هي ما لامسته التحركات الأخيرة؛ لا تعبئة ولا صدام، بل مراقبة حذرة، وقراءة دقيقة للإشارات، لما قيل وما تُرك بلا قول.

في مثل هذه اللحظات، لا تُقرأ التحركات الدبلوماسية كتواصل مباشر مع الشارع، بل كأداة قياس لما هو أقل وضوحًا: حدود التحمل الاجتماعي، قدرة الدولة على امتصاص الأثر، وطبيعة الصمت السائد، هل هو صمت قابل للاحتواء، أم أنه يحمل كلفة مؤجلة؟ هنا لا يكون السؤال عن انفجار قريب، بل عن النقطة التي تبدأ عندها الكلفة الرمزية، والمساحات التي يمكن لمسها مستقبلًا، وتلك التي ينبغي تركها خارج أي اختبار.

الدلالة الأوضح ظهرت في تباين الاستجابات: استقبال في أماكن، امتناع في أخرى، وصمت محسوب في مساحات ثالثة. هذا التفاوت لا يعني انقسامًا بسيطًا، ولا يصلح أن يُقرأ بلغة نجاح أو إخفاق دبلوماسي. هو، في جوهره، فرز علني للمواقف أنهى افتراض الكتلة المتجانسة. والفرز، بخلاف الرفض الصريح، أصعب إدارةً، لأنه لا يكتفي بقياس المزاج، بل يعيد رسم الخريطة الداخلية نفسها.

الخطر الحقيقي في مثل هذه اللحظات لا يكمن في ردود الفعل الظاهرة، بل في ملامسة مساحات يُفترض أنها خارج التسييس. حين تتحول أماكن محمّلة بالرمزية، كالدواوين وبيوت العزاء، إلى نقاط تماس دبلوماسي، فإن الرسالة التي تُلتقط داخليًا لا تتعلق بالنوايا، بل بحدود المقبول رمزيًا. هنا لا يُختبر الحضور الدبلوماسي بحد ذاته، بل القدرة على قراءة بيئة لا تفصل بين المكان ومعناه، ولا تعتبر كل مساحة عامة متاحة للفعل السياسي من دون كلفة غير مرئية.



المصدر

السابق
هلاك الطغاة: السنن الإلهية بين الهلاك والتدافع
التالي
وول ستريت جورنال: ترامب يضغط على مساعديه لتقديم خيارات حاسمة ضد إيران