الصين تكسر احتكار السماء… هل بدأ تراجع التفوق الجوي الأمريكي والأوروبي؟
جو24- مناورات «نسور الحضارة 2026» تفتح معركة التفوق التكنولوجي بين الصين والغرب، وتكشف تحولات استراتيجية في موازين القوة الجوية العالمية
لم يعد التفوق الجوي الأمريكي والأوروبي حقيقة عسكرية يمكن التسليم بديمومتها، بعدما انتقلت الصين من مرحلة اللحاق بالتكنولوجيا الغربية إلى منافستها في بعض أكثر ميادين الصناعة العسكرية تعقيدًا. فبكين لم تعد تسعى إلى إنتاج مقاتلات تضاهي نظيراتها الغربية فحسب، بل تعمل على تطوير منظومات قتالية متكاملة تجمع الطائرات والرادارات والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، في تحول يطرح سؤالًا استراتيجيًا بالغ الأهمية: هل بدأ العالم يشهد نهاية الاحتكار الغربي للتفوق الجوي؟
هذا السؤال تثيره التقارير المتداولة بشأن مناورات «نسور الحضارة 2026» بين القوات الجوية المصرية والصينية، التي قدمت، وفق الروايات المنشورة، نموذجًا للمنافسة بين التكنولوجيا الصينية ومنظومات قتالية تنتمي إلى مدارس التسليح الفرنسية والروسية.
أربع مقاتلات صينية في مواجهة ست مصرية
وفق تقرير نشره موقع «نتسيف نت» في الرابع عشر من تشرين الأول، نقلًا عن مصادر صينية، شهدت المناورات مواجهة افتراضية بين أربع مقاتلات صينية من طراز «J-16»، وتشكيل مصري يضم مقاتلتين فرنسيتين من طراز «رافال» وأربع مقاتلات روسية من طراز «ميغ-29».
ورغم التفوق العددي للتشكيل المصري، تحدث التقرير عن تحقيق الجانب الصيني إصابات افتراضية، مستفيدًا من طائرات الإنذار المبكر «KJ-500» ومنظومات الحرب الإلكترونية التي وفرت قدرات أوسع على اكتشاف الأهداف وإدارة الاشتباك.
ومع أن هذه النتائج لم تتوافر لها تأكيدات مستقلة، فإن أهميتها التحليلية تكمن في طبيعة القدرات المستخدمة، لا في عدد الطائرات التي تعرضت للإسقاط الافتراضي. فالمناورات العسكرية لا تمثل حروبًا حقيقية، لكنها قد تكشف اتجاهات التطور في العقائد القتالية.
الصين… من استيعاب التكنولوجيا إلى منافسة الغرب
لسنوات طويلة، اعتمدت الصناعة الجوية الصينية على استيعاب التقنيات الأجنبية وتطويرها، قبل أن تنتقل تدريجيًا إلى بناء قاعدة صناعية وبحثية أكثر استقلالًا.
وقد تجسد هذا التحول في تطوير مقاتلات متعددة المهام، ورادارات متقدمة، وصواريخ جوية بعيدة المدى، ومنظومات قيادة وسيطرة قادرة على تبادل المعلومات بين المنصات القتالية.
والأهمية هنا أن الصين لم تعد تنافس الغرب في صناعة الطائرة وحدها، بل في بناء المنظومة التي تمنح الطائرة قيمتها العملياتية.
فالولايات المتحدة وأوروبا تمتلكان خبرات طويلة في الحرب الشبكية، لكن التقدم الصيني بات يضع بعض عناصر هذا التفوق أمام منافسة متزايدة، بما يقلص الفجوة التي شكلت لعقود أحد مصادر القوة العسكرية الغربية.
الحرب الشبكية… عندما تصبح المعلومة أقوى من المقاتلة
لم تعد المعركة الجوية تُحسم بالضرورة لصالح الطائرة الأسرع أو الأكثر قدرة على المناورة، وإنما قد تتحدد نتيجتها بقدرة أحد الطرفين على اكتشاف خصمه أولًا، وتعطيل اتصالاته، وتوجيه أسلحته بدقة قبل أن يتمكن الطرف المقابل من الرد.
وهنا تتضح أهمية دمج المقاتلات الصينية مع طائرات الإنذار المبكر ومنظومات الحرب الإلكترونية.
فالمقاتلة التي تعمل داخل شبكة متكاملة تستطيع الاستفادة من معلومات لا توفرها راداراتها الذاتية، ما يمنحها فرصًا عملياتية أوسع في الاشتباكات بعيدة المدى.
لكن امتلاك هذه القدرات لا يعني ضمان التفوق في جميع الظروف، إذ تبقى كفاءة التدريب والقيادة والاتصالات ومقاومة التشويش عوامل حاسمة في الحروب الفعلية.
ستة آلاف كيلومتر… الصين تتجاوز حدود آسيا
تكتسب المناورات أهمية جيوسياسية إضافية من التقارير التي تحدثت عن انتقال المقاتلات الصينية إلى مصر عبر مسافة تتجاوز ستة آلاف كيلومتر، بدعم من طائرات التزود بالوقود «YY-20A».
فهذا الانتشار، إذا تأكدت تفاصيله، يعكس تطور قدرة الصين على تنفيذ مهام جوية بعيدة عن أراضيها، وتوسيع حضورها العسكري خارج نطاقها الآسيوي التقليدي.
ومع ذلك، يبقى الانتشار المؤقت مختلفًا عن امتلاك شبكة قواعد وإمداد تتيح إدارة عمليات قتالية مستدامة، وهي ميزة تحتفظ فيها الولايات المتحدة بخبرة وبنية عالمية واسعة.
مصر… تنويع السلاح وتوسيع السيادة العسكرية
بالنسبة إلى القاهرة، يمثل التعاون مع الصين فرصة لتوسيع الخيارات الدفاعية والاستفادة من مدارس تكنولوجية وعسكرية متعددة.
فمصر، التي تشغّل مقاتلات أمريكية وفرنسية وروسية، تستطيع من خلال التعاون مع بكين تعزيز خبراتها في الحرب الإلكترونية والعمليات الجوية المشتركة.
غير أن الاستقلال العسكري الحقيقي لا يتحقق بمجرد تنويع مصادر التسليح، بل بامتلاك المعرفة الفنية والقدرة على الصيانة والتطوير ودمج المنظومات المختلفة ضمن قيادة وطنية مستقلة.
وهذه معادلة تتجاوز مصر إلى دول عديدة تسعى إلى توسيع هامش قرارها الدفاعي في عالم يتجه نحو تعددية مصادر القوة.
الصين لا تنافس على السماء وحدها
إن التحول الأعمق في المنافسة الصينية الغربية لا يتمثل في احتمال تفوق مقاتلة على أخرى، بل في تراجع قدرة طرف واحد على احتكار التكنولوجيا العسكرية وتحديد خيارات الدول الأخرى.
فكلما اتسعت قدرة الصين على إنتاج منظومات متقدمة وتصديرها، ازدادت خيارات الدول في بناء قدراتها الدفاعية، وتغيرت تدريجيًا طبيعة المنافسة على النفوذ العسكري والتكنولوجي.
ولعل أخطر ما يكشفه الصعود الصيني ليس أن بكين أسقطت التفوق الجوي الأمريكي والأوروبي، بل أنها باتت تنازع الغرب على التكنولوجيا التي صنعت ذلك التفوق. وحين يفقد الاحتكار التكنولوجي حصانته، تبدأ موازين القوة العالمية بالتغير، ليس لأن طائرة جديدة ظهرت في السماء، بل لأن قوة عالمية صاعدة أصبحت قادرة على تحدي القواعد التي حكمت تلك السماء لعقود.
فالصين لا تنافس الغرب على امتلاك السماء وحدها، وإنما على امتلاك القدرة على إعادة كتابة قواعد القوة العسكرية في القرن الحادي والعشرين.
