أخبار

الجوع في البرد… حين صار الخبز أداة حرب #عاجل

الجوع في البرد… حين صار الخبز أداة حرب #عاجل


جو 24 :

كتب  زياد فرحان المجالي

من قلب العام الثاني للحرب)

في غزة، لا تحتاج إلى أن تسمع صفارة الإنذار كي تعرف أن الحرب مستمرة. أحيانًا تكفيك نظرة واحدة إلى يد طفلٍ ترتجف من البرد وهو يبحث عن قطعة خبز، لتفهم أن الحرب لم تعد صواريخ فقط… بل صارت خبزًا مفقودًا، وبطانية غائبة، وليلًا طويلًا بلا نارٍ تُدفئ ولا سقفٍ يصدّ الريح.

هنا، وسط الرماد، لا يموت الناس فقط بالقصف. يموتون بطريقة أبشع: يموتون بالانتظار. ينتظرون شاحنة طحين قد لا تصل، ينتظرون دواءً قد لا يُسمح له بالدخول، ينتظرون هدنة لا تأتي، وينتظرون عالمًا يدّعي الإنسانية ثم يمرّ أمام الجوع كأنه خبرٌ عابر في نشرات المساء.

هذه ليست مأساة عادية. هذه ليست “أزمة إنسانية” كما يسميها الخطاب الدولي بلغة باردة. ما يحدث في غزة هو شيء آخر: إنه إعادة تعريف للموت. الموت هنا صار بطيئًا، متعمّدًا، محسوبًا، وموزعًا على الأيام. وكأن الحصار لم يعد مجرد قرار سياسي… بل صار آلة قتل تعمل بوقودٍ من صمت العالم.

الحرب حين تنزع صفتها العسكرية

كانت الحروب تُخاض بالسلاح، ثم تأتي السياسة لتكتب خاتمتها. أما في غزة، فقد حدث العكس: السياسة نفسها تحولت إلى سلاح.

عندما تُغلق المعابر، وتُمنع شاحنات الغذاء، وتُقطع الكهرباء والماء، وتُقصف المخابز، وتُترك المستشفيات بلا وقود… فإننا لا نتحدث عن “نتائج جانبية”. نحن نتحدث عن منهج. عن حرب لا تريد فقط إضعاف المقاتل، بل تريد كسر الإنسان نفسه.

وهنا تصبح الحقيقة مؤلمة: لم تعد الغاية من الحرب أن تُهزم غزة عسكريًا… بل أن تُهزم أخلاقيًا، أن ينكسر المجتمع، أن يتآكل الأمل من الداخل، وأن يصبح الجوع سيد القرار.

البرد القارس: العدو الذي لا يُرى

قد يظن من يقرأ الأخبار أن البرد مجرد فصل من فصول الشتاء. لكن في غزة، البرد ليس طقسًا… البرد سلاح إضافي.

حين ينام الناس تحت خيمة ممزقة، أو في مدرسة مكتظة، أو على أرضٍ رطبة بلا فراش، يصبح البرد قذيفةً صامتة.

الطفل الذي كان يحتاج لحليبٍ وبطانية، صار يحتاج لنجاةٍ من الانهيار.

الشيخ الذي كان يحتاج دواء الضغط والسكري، صار يحتاج إلى دفءٍ يحفظ قلبه من التوقف.

في غزة، الشتاء ليس موسم مطر… إنه موسم اختبار لآخر ما تبقّى من إنسانية البشر.

الجوع: ليس مجرد نقص… بل سياسة

الجوع في غزة لا يأتي كصدفة. لا يأتي لأن العالم عاجز. العالم ليس عاجزًا. العالم يعرف، ويسمع، ويرى، ويتابع التفاصيل.

لكن الجوع هنا صار لغة تفاوض:

أدخلوا الطعام مقابل شروط.

اسمحوا بالمساعدات مقابل تنازلات.

افتحوا المعابر مقابل ترتيبات.

كأن حياة الناس أصبحت ورقة ضغط، وكأن الخبز صار بندًا في خريطة النفوذ.

إن أخطر ما في هذه الحرب أنها جعلت الخبز شيئًا سياسيًا، وجعلت الحليب ملفًا أمنيًا، وجعلت الماء قرارًا عسكريًا.

وهنا تُسحق الفكرة الأساسية التي تقوم عليها الحضارة: أن الطعام والدواء حق إنساني لا علاقة له بالصراع.

من قال إن الحرب يجب أن تكون صاروخًا؟

ربما لهذا قالوا إن الجوع “أقل ضجيجًا” من القصف.

القصف يصنع صورة.

أما الجوع فيصنع انهيارًا.

القصف يُنقل بكاميرا واحدة.

أما الجوع فلا يحتاج كاميرا، لأنه يحدث داخل الجسد: في ضمور الطفل، في عيون الأم، في ارتجاف اليد، في انطفاء الروح.

الجوع لا يُسمع كالقصف… لكنه قد يكون أكثر فتكًا منه.

نتنياهو: لماذا يرفض وقف الحرب؟

السؤال الذي يطرحه العالم: لماذا لا يتوقف هذا الجنون؟

الجواب لم يعد سرًا:

نتنياهو لا يدير حربًا فقط… بل يدير مصيره.

كل وقف للحرب يعني فتح أبواب الحساب.

كل هدنة طويلة تعني عودة الأسئلة: من فشل؟ من أخطأ؟ من كذب؟ من ضحى بالرهائن؟ من جرّ إسرائيل إلى مأزق؟

لذلك يرفض. لأنه يدرك أن الحرب حين تتوقف… قد يبدأ سقوطه.

لكن ماذا عن غزة؟ ماذا عن الأطفال؟ ماذا عن الجوع؟

هذه أسئلة لا يريد أن يسمعها من الأصل.

العالم: حين يصير الصمت مشاركة

والأشد وجعًا من نتنياهو، هو ذلك العالم الذي يملك القدرة ولا يملك الإرادة.

في كل مرة يقولون: “نحن قلقون”، تموت أسرة.

وفي كل مرة يقولون: “ندعو إلى ضبط النفس”، يسقط طفل بردًا.

وفي كل مرة يقولون: “نُدين”، تتراكم الجثث في طوابير الصمت.

اللغة الدبلوماسية أصبحت غطاءً للفعل… لا رادعًا له.

غزة: عندما يصبح الصمود فعل وجود

ومع ذلك… يحدث الشيء الأعجب في التاريخ:

غزة لا تزال موجودة.

بعد كل هذا الجوع، وبعد كل هذا البرد، وبعد كل هذا القتل… لا يزال الإنسان هناك يقاوم بطريقة أخرى: يقاوم كي لا ينهار، كي لا يتحول إلى رقم، كي لا ينسى معنى الحياة.

الصمود هنا ليس خطابات. الصمود هو:

أن تقتسم رغيفًا واحدًا بين خمسة.

أن تُدفئ طفلًا بجسدك لأنك لا تملك بطانية.

أن تبقى على قيد الكرامة حين يريدونك على قيد الإذلال.

خاتمة: في غزة ماتت أشياء… وبقي شيء واحد

قد يموت البيت.

قد يحترق الحلم.

قد ينكسر الجسد.

لكن يبقى شيء واحد لا يمكن قتله بسهولة: المعنى.

غزة اليوم ليست مجرد مكان على الخريطة… إنها شهادة على زمنٍ فقد بوصلته، وعلى عالمٍ يتفرج على الجوع في البرد ثم يتحدث عن السلام بربطة عنقٍ نظيفة.

وإذا كان الجوع في البرد لا يهزّ ضمير هذا العالم…

فماذا بقي من العالم أصلًا؟



Source link

السابق
تفوق على ألمانيا وبلجيكا.. المغرب يحقق أفضل مركز في تاريخه بتصنيف “الفيفا” لمنتخبات العالم
التالي
نانت الفرنسي يتعاقد مع المدافع الليبي علي يوسف المصراتي