يُشكّل الحق قيمة إنسانية وأخلاقية
عليا، تقوم عليها العدالة وتُقاس بها شرعية الحكومات. غير أنّ هذه القيمة تبدأ
بالتآكل عندما تتحول التشريع إلى أداة قمع، وتُقدَّم الاعتبارات السياسية أو
الأمنية على حساب الحقيقة والإنصاف. ففي مثل هذه البيئات، لا يُطلب من الناس أن
يؤمنوا بالباطل، بل أن يتراجعوا عن الحق، أو أن يصمتوا حياله.
في السياقات التي تضيق فيها مساحة
الحرية بسبب قوانين قامعة لا رادعة ، يجد
الأفراد والمؤسسات أنفسهم أمام معادلة قاسية: التمسك بالحق وتحمل العواقب، أو
التراجع عنه اتقاءً للإقصاء أو الملاحقة. وغالبًا ما لا يكون هذا التراجع نابعًا
من قناعة، بل من خوف مشروع من فقدان الوظيفة، أوالتعرض للتشهير، أو الوقوع تحت
طائلة المساءلة القانونية.
فالحكومات التي تعتمد على فكرة
الإستبداد الفكري لا تعتمد فقط على أدوات القمع المباشر، بل تعمل على ترسيخ ثقافة
الخوف، وتقييد حرية التعبير، وتطبيع الرقابة الذاتية. ومع مرور الوقت، يتحول الصمت
من استثناء إلى قاعدة، ويغدو التراجع عن الحق سلوكًا عامًا لا يُستنكر، بل يُبرَّر
بوصفه “حكمة” أو “واقعية سياسية”.
ويكمن الخطر الحقيقي حين تغيب
المحاسبة، وتُكافأ الانتهازية، وتُقصى الأصوات الصادقة. عندها تتآكل الثقة بين
المواطن والحكومات، وتضعف قيم المواطنة الفاعلة، وتُفرغ القوانين والمؤسسات من
مضمونها، لتتحول إلى هياكل شكلية تُستخدم لضبط المجتمع لا لحمايته.
ويتجلى هذا المسار بوضوح في بعض
القوانين، الذي تمثّل تحولًا مقلقًا في فلسفة التشريع، إذ لم يعد موجّهًا حصريًا
لمكافحة الجريمة، بل فُتحت فيه أبواب واسعة لتجريم الرأي والنقد والحريات الصحفية
والإعلامية، تحت عناوين فضفاضة مثل “إثارة الفتنة” أو إغتيال الشخصية” أو “تقويض
السلم المجتمعي”. وبهذا، أصبح التعبير عن الحق مخاطرة قانونية، بينما غدا الصمت
خيارًا آمنًا، وإن كان مهينًا.
الأخطر من القمع التشريعي ذاته هو ما
يخلّفه من آثار بعيدة المدى؛ إذ يبدأ الأفراد بممارسة رقابة ذاتية صارمة،
ويتراجعون عن مواقفهم المبدئية طوعًا، لا اقتناعًا، بل اتقاءً للعقاب. وهنا يحقق
الاستبداد الفكري هدفه الأعمق: ليس قمع الجميع بالقوة، بل دفع المجتمع إلى التراجع
الطوعي عن الحق.
ولا تتوقف آثار هذا التراجع عند حدود
السياسة أو الإعلام، بل تمتد لتصيب بنية الدول والمجتمعات في الصميم. فحين تغيب
المساءلة والرقابة والشفافية، ويتحوّل الصمت إلى سياسة غير معلنة، تتفشّى مظاهر
الخلل على مختلف المستويات.
يبدأ ذلك بتفشّي الفساد في بعض المؤسسات الحكومية والخاصة، واستغلال السلطة من
قبل بعض مسؤولين لا يخشون العقاب، ما يؤدي
إلى هدر المال العام وسوء إدارة الموارد الوطنية. ومع تطبيق القانون بانتقائية،
تضعف سيادة القانون، وتنتشر المحسوبية والواسطة على حساب الكفاءة والاستحقاق،
فتُستبعد الكفاءات ويُكافأ الولاء بدل الإنجاز.
وينعكس هذا الخلل مباشرة على حياة
المواطنين، حيث تتراجع جودة الخدمات العامة، من صحة وتعليم وبنية تحتية، وتتسع
الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، ويزداد الفقر والتهميش. وفي ظل غياب العدالة
الاجتماعية، يتعمق شعور المواطنين بالظلم، ويتآكل الإحساس بالإنصاف وتكافؤ الفرص.
اقتصاديًا، تؤدي هذه البيئة إلى تعطّل
التنمية، وانخفاض الاستثمار المحلي والأجنبي، في ظل مناخ طارد لا يضمن الشفافية
ولا يحمي الحقوق. ومع انسداد آفاق الإصلاح، تتسارع هجرة العقول والكفاءات إلى دول
أكثر عدلًا واستقرارًا، ما يحرم الدولة من أحد أهم مواردها البشرية.
سياسيًا وإعلاميًا، يُستخدم تقييد
الحريات العامة والإعلام كوسيلة لإخفاء الفشل والفساد بدل معالجتهما. وتضعف
المؤسسات الرقابية نفسها أو تُفرغ من دورها بتسييسها، فتترسخ ثقافة الإفلات من
العقاب، ويغيب الإحساس بوجود جهة قادرة أو راغبة في المحاسبة.
ومع تراكم هذه العوامل، تتراجع سمعة
ومكانة الدول ومصداقيتها داخليًا ودوليًا بحسب المؤشرات الأممية المعتمدة، بينما يستشري الفساد الإداري في التوظيف
والترقيات، وتنهار القيم الأخلاقية العامة، ويُطبَّع السلوك الفاسد بوصفه أمرًا
واقعًا لا مفر منه. وهنا يبدأ الخطر الأكبر: تآكل العقد الاجتماعي بين الدولة
والمجتمع، وانحسار الثقة التي يقوم عليها أي استقرار حقيقي.
وعندما يتزايد الاحتقان والغضب الشعبي
في ظل غياب قنوات التعبير والمساءلة، يصبح المجتمع مهددًا إما بالانزلاق الأخلاقي
والفكري أو بترسيخ الاستبداد الفكري على
المدى البعيد باعتباره “حلًا” مفروضًا بالقوة. وفي الحالتين، يكون التراجع عن الحق
هو الخسارة الأولى، لكنه ليس الأخيرة.
وفي المحصلة، فإن مقاومة التراجع عن
الحق اليوم ليست مسألة أخلاقية فحسب، بل موقف سياسي ومدني بامتياز.
فالسلطة التنفيذية التي تخشى الكلمة وتعاقب النقد تعترف ضمنيًا
بعجزها عن الإقناع ، فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتكميم الأفواه، بل بحمايتها، ولا
يتحقق بتشديد العقوبات، بل بتوسيع هامش الحرية وترسيخ سيادة القانون.
فالحق، مهما حورب، لا يموت…
لكنه ينتظر من يدافع عنه.
