كتب د. معن علي المقابلة –
في كل عام، يحتفل الأردنيون في الخامس والعشرين من أيار بعيد الاستقلال، لكن هذا اليوم لم يعد يمرّ بوصفه مناسبة وطنية جامعة فحسب، بل بات يرافقه جدل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي حول معنى الاستقلال الأردني وطبيعته التاريخية. فهناك من يرى أن الأردنيين لم يخوضوا حرب تحرير طويلة ودامية ضد المستعمر كما حدث في الجزائر أو العراق أو سوريا، ولم يبرز في تاريخهم الحديث قادة مقاومة بحجم عمر المختار أو عبد الكريم الخطابي أو يوسف العظمة، بل إن البريطانيين – بحسب هذا الرأي – لعبوا دوراً أساسياً في تأسيس الدولة وبناء مؤسساتها وتأهيل كوادرها الإدارية.
قد تبدو بعض هذه الطروحات صحيحة من زاوية معينة، فالأردن الحديث لم يكن قبل تأسيس الإمارة كياناً سياسياً واضح المعالم كما كانت دمشق أو القدس أو بغداد، ولم يشهد حرب استقلال شاملة كتلك التي عرفتها دول عربية أخرى. لكن اختزال التجربة الأردنية بهذه الصورة فيه ظلم كبير لتاريخ الأردنيين ولدورهم في مقاومة الاستعمار داخل الأردن وخارجه.
فالأردني، قبل قيام الدولة الحديثة، كان جزءاً من الفضاء العربي في بلاد الشام، يحمل همومه ويقاتل دفاعاً عن أرضه وهويته. وقد سجّل الأردنيون صفحات واضحة في مقاومة الاحتلالين البريطاني والفرنسي. يكفي أن نستذكر الشيخ كايد مفلح العبيدات الذي قاد أبناء عشائر الشمال في معركة تل الثعالب عام 1920 ضد القوات البريطانية، واستشهد مع عدد من رفاقه في مواجهة مباشرة مع المستعمر.
كما لا يمكن تجاوز تجربة الشيخ مصطفى الخليلي، الذي قاد ثورة ضد الاحتلال الفرنسي في حوران انطلاقاً من المغير في محافظة إربد، بعد سقوط الحكم العربي في دمشق إثر معركة ميسلون. لقد سبق هذا الرجل بثورته ثورة الدروز بقيادة سلطان باشا الأطرش، وخاض مع ابنه موسى عمليات عسكرية نوعية ضد القوات الفرنسية، معتمداً حرب الكرّ والفرّ ونصب الكمائن وإرهاق قوات الاحتلال.
وفي الداخل الأردني أيضاً، جاءت ثورة البلقاء عام 1923 بقيادة سلطان العدوان احتجاجاً على السياسات البريطانية وسياسات الحكومة المحلية، واستشهد فيها عدد من الثوار، من أبرزهم الشيخ صايل الشهوان العجارمة. كما شهدت الكورة ثورة قادها الشيخ كليب الشريدة ضد الإنجليز، وارتقى خلالها عدد من أبناء المنطقة شهداء بالطائرات الإنجليزية.
هذه الوقائع تؤكد أن الأردنيين لم يكونوا على هامش حركة التحرر العربية، بل كانوا جزءاً أصيلاً منها، حتى وإن اختلفت طبيعة تجربتهم عن تجارب أخرى. فالمجاهد الأردني لم يقتصر نضاله على حدود الأردن، بل امتد إلى فلسطين وسوريا وليبيا والجزائر. ولعل قصة نجيب السعد البطاينة، الذي استشهد في ليبيا عام 1914 أثناء قتاله ضد الاستعمار الإيطالي، تعبّر بوضوح عن البعد القومي والعروبي للشخصية الأردنية.
من هنا، يحق للأردنيين أن يحتفلوا باستقلالهم، وأن يفخروا بتاريخهم ورجالاتهم وتضحياتهم. لكن الاحتفال الحقيقي بالاستقلال لا ينبغي أن يتحول إلى مظاهر مبالغ فيها من الإنفاق والفوضى في الشوارع، وكأن الوطنية تُقاس بعدد الأعلام أو حجم الاحتفالات. فهذه المظاهر لم تكن جزءاً من ذاكرة الأجيال السابقة التي احتفلت بالاستقلال ببساطة ووعي ومسؤولية، دون ضجيج أو استعراض.
الأردنيون اليوم لا يقلقهم شكل الاحتفال بقدر ما يقلقهم واقع الدولة نفسها. فكيف يشعر المواطن بمعنى الاستقلال الكامل في ظل مديونية هائلة، وبطالة متفاقمة، وتراجع في التعليم والخدمات والبنية التحتية؟ وكيف يمكن الحديث عن إنجازات وطنية فيما يتكرر الحديث الرسمي عن الفساد، حتى بات وكأنه جزء طبيعي من المشهد العام لا قضية تستدعي المحاسبة؟
الاستقلال ليس مناسبة احتفالية فقط، بل حالة سياسية واقتصادية وأخلاقية مستمرة. ولذلك، فإن الدفاع الحقيقي عن الاستقلال يبدأ من مواجهة الفساد، وتعزيز الحريات، وبناء حياة سياسية ناضجة تقوم على حكومات برلمانية حقيقية ومجلس نواب يمتلك إرادته الكاملة ويعبّر عن الإرادة الشعبية.
وفي خضم هذه الاحتفالات أيضاً، لا يجوز أن ننسى أن على ضفة النهر عدواً ما زال يعلن أطماعه بالأردن صباح مساء، ولا يجوز أن نغضّ الطرف عن مأساة أهلنا في غزة الذين يواجهون حرب إبادة بالجوع والقصف والعطش أمام صمت دولي مخزٍ.
لهذا، فإن الاحتفال بالاستقلال يجب أن يكون مناسبة لاستعادة المعنى الحقيقي للوطن: وطن حرّ، عادل، مقاوم للفساد، منحاز لقضايا أمته، ومؤمن بأن الاستقلال ليس حدثاً وقع عام 1946 وانتهى، بل مشروع مستمر يحتاج إلى حماية وتجديد كل يوم.
