خارج النص-كتب حلمي الأسمر
في لحظة تكاد تكون الأكثر سخرية في التاريخ السياسي المعاصر، الكيان الصهيوني الغاصب يتقاطع الزمن الديني مع الواقع العسكري ليكشف مفارقة لا يمكن تجاهلها: في عيد عيد الفصح اليهودي، الذي يُفترض أنه ذروة السردية المؤسسة لفكرة “الخروج” من العبودية في مصر إلى الحري حيث (ارض الميعاد!) ، تظهر مشاهد معاكسة تمامًا؛ إسرائيليون يبحثون عن طريق للخروج، لا نحو “أرض الميعاد”، بل منها، وبعضهم يسلك الطريق ذاته الذي تقول الرواية إنه كان يومًا ممر الخلاص الأول. ليست القضية في حجم الظاهرة، ولا في عدد الذين غادروا، بل في المعنى العميق الذي يتسلل من بين التفاصيل الصغيرة: حين تتحول الأرض التي قُدمت كملاذ نهائي إلى نقطة عبور، فإن الأزمة لم تعد أمنية فقط، بل وجودية تمس جوهر الفكرة نفسها.
هنا لا نتحدث عن “هروب جماعي” بالمعنى الكلاسيكي، بل عن شقوق في جدار الثقة؛ عن لحظة يقرر فيها الفرد، تحت ضغط الصواريخ واللايقين، أن يبحث عن أمان خارج المكان الذي قيل له إنه وُجد ليكون الأمان ذاته. هذه اللحظة، مهما بدت فردية أو محدودة، تحمل في طياتها دلالة أخطر بكثير من أي رقم: إنها تعني أن فكرة الاستقرار لم تعد بديهية، وأن العلاقة بين الإنسان والمكان بدأت تعود إلى حالتها الأولى، حالة الشك، لا اليقين. في مثل هذه اللحظات، لا تسقط الدول فجأة، بل تبدأ بالتآكل من الداخل، من إحساس الناس بها، من قدرتها على طمأنتهم، من صدق الوعد الذي قامت عليه.
المفارقة الكبرى تكمن في قلب الرمزية نفسها؛ فـ النبي موسى عليه السلام، الذي قاد شعبه وفق الرواية إلى الخلاص، يغيب اليوم عن المشهد، ولا يحل محله سوى قرار فردي بارد: احجز، اعبر، غادر. لم يعد هناك خروج جماعي يُؤسس لمعنى، بل خروج فردي (وقد يكون أكثر من هذا) يبحث عن نجاة. وبين “الخروج” و”الهروب” فرق هائل؛ الأول يصنع أمة، والثاني يكشف هشاشتها. وما بين الاثنين تقف الدولة، تحاول أن تحافظ على روايتها بينما الواقع يعيد كتابتها سطرًا سطرًا بلغة مختلفة تمامًا.
المعابر في مثل هذه اللحظات لا تكون مجرد نقاط جغرافية، بل تتحول إلى مرايا سياسية ونفسية تعكس ما لا تقوله البيانات الرسمية؛ تعكس القلق الصامت، والأسئلة المؤجلة، والتصدعات التي لم تعد قابلة للإخفاء. حين يصبح المعبر خيارًا متكررًا فإنه يكشف أن الداخل لم يعد مكتفيًا بذاته، وأن الخارج، بكل ما فيه من غموض، يبدو أحيانًا أكثر احتمالًا من البقاء. وهذا بحد ذاته انقلاب في المعادلة التي قامت عليها الفكرة كلها.
ما يحدث اليوم ليس انهيارًا مباشرًا، بل ما هو أخطر: تآكل بطيء في المعنى. المشروع الذي قدّم نفسه كنهاية للتاريخ، كحل نهائي لمأساة التشتت، يجد نفسه يعيد إنتاج الشروط نفسها التي وُلد هربًا منها؛ حركة، قلق، بحث دائم عن مكان أكثر أمانًا. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: في العيد الذي يُفترض أنه يخلد لحظة الوصول، يظهر واقع يوحي بأن الوصول لم يكن نهائيًا كما قيل، وأن “أرض الميعاد” قد تتحول، تحت ضغط الواقع، إلى محطة أخرى في رحلة لم تنتهِي بعد. في هذه اللحظة تحديدًا، لا يكون الحدث هو المهم، بل ما يكشفه: أن الفكرة التي صمدت طويلًا تبدأ، بهدوء ولكن بثبات، في فقدان قدرتها على إقناع أصحابها قبل خصومها.
