كتب اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني –
لم تكن تصريحات السفير الأمريكي لدى دولة الكيان مايك هاكابي زلة لسان عابرة يمكن احتواؤها ببيان توضيحي مقتضب. فعندما يتحدث ممثل الدولة الأقوى في العالم عن “حق توراتي” للدولة الصهيونية في أراضٍ تمتد “من النيل إلى الفرات”، فإن المسألة تتجاوز الإطار اللاهوتي أو الشخصي لتلامس صميم القانون الدولي وسيادة الدول واستقرار الإقليم بأسره.
تصريحات تتجاوز السياق… أم تتجاوز السياسة والقانون الدولي؟
خلال مقابلة مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، استند هاكابي إلى نصوص دينية من سفر التكوين ليقول إنه “سيكون الأمر على ما يرام لو أخذوها كلها”، في إشارة إلى الأراضي الفلسطينية وأجزاء واسعة من دول المنطقة. ورغم أنه عاد ليقول إن دولة الكيان لا تسعى للسيطرة على الأردن أو لبنان أو سوريا أو العراق، فإن الإيحاء بوجود “حق ديني” عابر للحدود السيادية كان كافياً لإشعال موجة غضب إقليمية.
وزارة الخارجية الأمريكية سارعت إلى القول إن التصريحات “أُخرجت من سياقها”، وإن السياسة الرسمية لم تتغير. غير أن الدبلوماسية ليست علماً للنوايا، بل لفن نقل الرسائل. والسفير ليس محللاً سياسياً حراً، بل لسان حال دولته. وعندما يُبثّ مثل هذا الخطاب من تل أبيب، فإن أثره لا يُمحى بسهولة ببيان تبريري.
خطأ التعيين… أم دلالة مقصودة؟
المسألة لا تقف عند حدود التصريح، بل تمتد إلى أصل التعيين ذاته. فهاكابي معروف منذ سنوات بانتمائه إلى التيار الإنجيلي المسيحي الصهيوني، وبمواقفه الداعمة للاستيطان، ورفضه المعلن لحل الدولتين. أي أن الخلفية الفكرية التي أفضت إلى تصريحاته الأخيرة لم تكن خافية على صانع القرار في واشنطن.
تعيينه سفيراً في واحدة من أكثر الساحات حساسية في العالم، وهو يحمل قناعات أيديولوجية متشددة تستند إلى قراءة حرفية للنصوص التوراتية، كان خطأً استراتيجياً فادحاً إن كان نتيجة سوء تقدير. أما إذا لم يكن خطأً، وكان اختياراً مقصوداً، فإن الرسالة تصبح أكثر خطورة: إذ يعكس ذلك توجهاً مضمراً في السياسة الأمريكية ينسجم – ولو ضمنياً – مع الطرح التوسعي الذي يضرب بعرض الحائط مبادئ السيادة الوطنية والقانون الدولي. وبإختصار إن كان تعيينه في هذا المنصب خطأً فتلك مصيبة، وإذا لم يكن خطأً فالمصيبة أعظم!
في الحالتين، تدفع المنطقة ثمن هذا الخلط بين القناعة الشخصية والوظيفة الرسمية.
صدمة الحلفاء وبيان الغضب
الرد العربي والإسلامي جاء سريعاً وحازماً، ببيان مشترك ضم مصر والسعودية والأردن والإمارات وقطر والكويت وتركيا وباكستان وإندونيسيا ولبنان وسلطنة عُمان والبحرين وفلسطين، إضافة إلى أمانة مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، واصفاً التصريحات بأنها “خطيرة ومحرضة” وتمثل انتهاكا صارخا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتشكل تهديدا جسيما لأمن المنطقة واستقرارها. اللافت أن البيان أشار إلى تناقض هذه الأقوال مع رؤية الرئيس دونالد ترامب القائمة – وفق ما ورد – على احتواء التصعيد وخلق أفق سياسي لتسوية شاملة.
هذا التناقض يضع واشنطن في مأزق مزدوج: فمن جهة تؤكد التزامها بحل سياسي، ومن جهة أخرى يصدر عن سفيرها خطاب ديني توسعي يقوض أساس أي تسوية، ويضرب الثقة مع حلفائها التقليديين في المنطقة.
البيانات لا تكفي… المطلوب خطوات عملية
إصدار بيان استنكاري، مهما كان واسع التمثيل وقوي اللغة، لا يكفي وحده لإحداث أثر سياسي ملموس. فالدبلوماسية الفاعلة تقوم على مزيج من الرسائل والضغوط والإجراءات. إن الاكتفاء بالشجب اللفظي قد يبعث بإشارة خاطئة مفادها أن سقف الرد العربي يتوقف عند حدود البيانات.
المطلوب هو الانتقال من رد الفعل الرمزي إلى الفعل السياسي المنظم، عبر مطالبة رسمية وصريحة للإدارة الأمريكية بسحب هذا السفير أو إنهاء مهمته، واعتبار تصريحاته مساساً بالعلاقات الثنائية. كما يمكن استخدام أدوات الضغط الدبلوماسي المتاحة، من إعادة تقييم بعض أطر التعاون، إلى تفعيل القنوات البرلمانية والإعلامية في الولايات المتحدة نفسها لبيان خطورة هذا الخطاب على المصالح المشتركة فالعلاقات الاستراتيجية لا تُصان بالمجاملات، بل بتوازن المصالح والوضوح في الخطوط الحمراء.
لماذا لا يكفي “التوضيح”؟
القاعدة الدبلوماسية تقول إن الخطأ الجسيم يتطلب إجراءً مكافئاً لحجمه. والتصريحات التي تمس سيادة دول حليفة لواشنطن – كالأردن ومصر ودول الخليج – لا يكفي لمعالجتها القول إنها فُهمت خطأ. كان الأجدر بالإدارة الأمريكية سحب السفير فوراً، أو إنهاء مهمته، وتقديم اعتذار صريح للدول المعنية. فالعلاقات الاستراتيجية لا تقوم على افتراض حسن النية، بل على احترام متبادل غير قابل للتأويل.
إن ترك الأمر عند حدود “أُخرجت من سياقها” يبعث برسالة سلبية مفادها أن الخطاب التوسعي مقبول ضمنياً ما دام يمكن تغليفه لاحقاً بلغة دبلوماسية ناعمة. وهذا ما يفتح الباب أمام مزيد من التشكيك في صدقية الالتزامات الأمريكية في المنطقة.
الخلاصة
لا يصلح العطار ما أفسد السفير، إذا كان الضرر قد طال الثقة قبل الكلمات. فإما أن يكون تعيينه خطأً في التقدير، وإما أن يكون مؤشراً على سياسة مبطنة أكثر انسجاماً مع قناعاته المعلنة. وفي كلتا الحالتين، فإن معالجة الأزمة تتطلب أكثر من بيان توضيحي؛ تتطلب موقفاً سياسياً واضحاً يعيد التأكيد، بالفعل لا بالقول، على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ويغلق الباب أمام توظيف النصوص الدينية في رسم خرائط المنطقة.
