كتب أ. د. حسن البراري –
اعتدت مؤخرًا على مشاهدة الريلز (reels) في استراحة العشر دقائق بين محاضراتي الصباحية. اليوم ظهر لي “ريل” فيه مقابلة قديمة نسبيًا مع نجم الأكشن الشهير وحاكم كاليفورنيا السابق أرنولد شوارزنيغر يتحدث فيها بصراحة عن منطق المنافسة مع سلفستر ستالوني (رامبو). ويقول مبتهجًا ومبتسمًا حول طبيعة المنافسة: “من يقتل أكثر على الشاشة، ومن يبتكر مشاهد عنف أكثر إبداعًا، ومن يحمل سلاحًا أكبر”. بمعنى أنها كانت منافسة بلا مضمون، مجرد سباق استعراض لا يصنع قيمة بل يراكم الضجيج فقط.
وهكذا تمامًا حين تتشظى الحركات الوطنية، إذ يتحوّل الصراع من هزيمة العدو وبناء إنجازات صغيرة متراكمة تقود إلى اختراق استراتيجي إلى مزاودة داخلية عقيمة حول من قدم أكثر لا بهدف التحرير أو التغيير بل لتبرير المطالبة بحصة سياسية أكبر. عندها يصبح الوطن خلفية مشهد، لا هدف المعركة.
وفي الصورة الأوسع، تعيش المنطقة بأكملها بلا مشروع عربي جامع حيث تشظى النظام العربي منذ نشأته إلى كيانات متنافسة بلا بوصلة، تتصارع على النفوذ والشرعية والتموضع، لا على بناء قوة مشتركة أو صياغة رؤية استراتيجية. وفي هذا الفراغ الممتد، لا يوجد مستفيد حقيقي سوى المشروع الصهيوني الذي يتقدم بخطى ثابتة مستثمرًا في انقسامات الآخرين، بينما ينشغل العرب في سباق استعراض آخر بلا نهاية ولا إنجاز.
وحتى المعارضات لم تنج من هذا المنطق، فهي بدورها باتت تنافسية في الشكل، هدفها إحراج الأنظمة أو تقديم نفسها بديلاً سلطويًا. لا تطرح هذه المعارضات مشروعًا برامجيًا في الحد الأدنى ولا ما يقترب من مشروع جامع يعيد تعريف المصلحة الوطنية أو الإقليمية. من هنا يمكن فهم الاصطفافات المرتقبة إذا اندلعت الحرب على إيران. نشهد اصطفافات لا تحكمها رؤية استراتيجية عربية مستقلة، بل ردود أفعال، انفعالات عاطفية، وحسابات ضيقة، وتموضعات ظرفية في ساحة صراع يصوغها الآخرون!!!
أعيد ما قلته سابقًا: أذا لم تكن على الطاولة فأنت من دون شك على “المونيو”!
