ترجمة – هآرتس *
سأخاطر وأراهن: حتى لو بقي نتنياهو في الحكم بعد الانتخابات فالأغلبية الساحقة من العلمانيين سيبقون في إسرائيل ولن يهاجروا إلى تايلاند أو البرتغال. وسأزيد الرهان، حتى لو عاد نفتالي بينيت إلى منصب رئيس الحكومة بدعم من يئير لبيد وافيغدور ليبرمان، فسيزيد العلمانيون تجندهم في الاحتياط ودفع الضرائب، في حين سيمتنع الحريديم عن ذلك. واضح أن نتنياهو وائتلافه الحالي إذا نجوا فسيبقى الحريديم يتمتعون بامتيازات بدون بذل أي جهد أو تحمل أي أخطار.
العلمانيون يدركون التوجه الديمغرافي والتنبؤات التي تشير إلى أن ثلث سكان إسرائيل سيكونون من الحريديم في غضون أربعين سنة، أي أنهم لن يتعلموا المواضيع الأساسية، ولن يخدموا في الجيش، ولن يساهموا في العمل المنتج، وسيعيشون عالة. يعرفون جيداً السيناريوهات المخيفة التي يطرحها الخبير في الاقتصاد دان بن دافيد، التي يرى فيها بأن إسرائيل على وشك الانهيار لأن الطبقة المثقفة والثرية المتضائلة سترفض تحمل العبء وحدها وستهرب. ويعرفون أن الجنازات العسكرية لن تغادر “بني براك” على الإطلاق، كما تعود صديقي نحاميا شترسلر على التذكير بذلك.
يمكن الافتراض أن معظم العلمانيين لا يرغبون في العيش في مدينة تشبه القدس، التي تعاني من الفقر والاكتظاظ، ولا تستطيع تقديم الخدمات الأساسية لسكانها أو الدفاع عن نفسها ضد التهديدات الخارجية. مع ذلك، يتجاهلون تعزيز نفوذ الحريديم، ويتجاهلون قانون الإعفاء من الخدمة الذي يسعى نتنياهو إلى تمريره، ويتجاهلون إحراق أوامر التجنيد التي صدرت للحريديم، ويتجاهلون المحكمة العليا، بل ويتجاهلون حتى صراخ الجيش بشأن نقص الجنود وحاجته إلى 12 ألف جندي. يخرج الحريديم إلى الشوارع بأعداد كبيرة ويهتفون “سنموت قبل تجندنا”، ولا يواجهون هناك غضب العلمانيين بسبب هذا التمييز بين دم ودم.
هذه الحماسة الكبيرة التي شاهدناها في الاحتجاجات ضد الانقلاب النظامي، والمطالبة بإعادة المخطوفين، لم تظهر في مواجهة تهرب الحريديم. إن طلب المساواة في التجنيد يقلق المجتمع الحريدي المتماسك، أما العلمانيون فلا يكترثون، فهم لا يتصدون لحواجز الحريديم، ولا يلغون التطوع في الاحتياط، ولا حتى يشكلون دوريات تطوع لمرافقة الجنود في الطريق إلى الأحياء الحريدية. لقد استقبلت دعوة لبيد وليبرمان لإلغاء حق التصويت لمن لم يخدموا في الجيش بلامبالاة. وحملة بينيت “حلف من خدموا” موجهة لمن خاب أملهم من نتنياهو في اليمين الديني والتقليدي، ولا تثير انفعال العلمانيين. كيف يعقل ذلك؟
التفسير بسيط: العلمانيون يخشون من أن يفرض عليهم الحريديم التوراة والوصايا، لذلك يفضلون إبعادهم عن الأنظار. يتمتع المجتمع الحريدي بالتجربة الأكبر في العالم في “الدخل الأساسي العالمي”، حيث يحصل الأفراد على مساعدة من الحكومة بدون الحاجة إلى العمل، ويعتمد الاقتصاد على صناعات تتميز بكثافة رأس المال مثل الأمن السيبراني والذكاء الصناعي والغاز الطبيعي، التي لا تحتاج إلى عدد كبير من العاملين، ويمكنها تمويل النفقات الأخرى. في حالة إسرائيل، يقضي من يحصلون على الدخل الأساسي العالمي أيامهم في دراسة التلمود الذي لا قيمة له، وهو ما يمنحهم شعوراً بالمعنى والثقة بالنفس، ويتركهم معزولين عن المجتمع. بهذه الطريقة يمكن لسكان تل أبيب التوهم بأنهم يعيشون في برلين، بينما “بني براك” على بعد بضعة كيلومترات عنهم، بقوانينها الصارمة المتعلقة بالحلال والحشمة وحكم الحاخامات.
الصفقة بين العلمانيين والحريديم –ندفع لكم مقابل أن تتركونا وشأننا – هي أساس النظام الاجتماعي في إسرائيل. هذا الاتفاق صمد أمام كل الاضطرابات السياسية والاجتماعية حتى حرب 7 أكتوبر التي فرضت عبئاً غير مسبوق على الجنود المقاتلين وعلى الاحتياط، وهو اتفاق مناسب للطرفين اللذين يفضلان الحفاظ على نمط حياتهما. لذلك، يسهل التكهن بأن الوضع سيبقى على حاله بعد الانتخابات.
* ألوف بن
