ربما يكون منتدى دافوس الأخير، إلى جانب مؤتمر ميونخ للأمن الذي تابعته بكل تفاصيله، من المنصات القليلة التي تكشف ملامح التحول العميق الجاري في النظام الدولي. أذكر في عام 2009 سافرت والصديق باسل العكور إلى ميونخ لحضور منتدى ميونخ وشاهدنا يومها حفلة تكاذب من قبل أغلب الحضور مع استثناء ما كان يقوله الأمريكان.
باختصار، ترامب لا يدير أزمة عابرة، بل يقود عملية هدم منظم لقواعد النظام العالمي وصناعة حالة من اللانظام على طريقته معتقدًا بأن بلاده ستخرج الرابح الأوحد.
في هذا المشهد المضطرب، هناك خمسة رابحون واضحون:
1. روسيا
تربح من تصدع الناتو، ومن اهتزاز الثقة الأوروبية بالمظلة الأمريكية، ومن خطاب تقاسم الأعباء الذي يخدم هدف موسكو القديم المتمثل بفكيك التماسك الغربي من الداخل. ترامب وبفترة وجيزة يحقق لروسيا ما عجزت عنه طيلة أيام الحرب الباردة وما تلاها من عودة الإمبريالية القيصرية للبنية الذهنية للرئيس بويتن. باختصار، ترامب لم يمنح روسيا أراضي، لكنه منحها ما هو أخطر من ذلك والمتثل في تفكك الثقة الغربية، وهو رأس المال الاستراتيجي الأهم في حروب النفوذ طويلة الأمد
2. الصين
رغم المواجهة التجارية، استفادت استراتيجيًا من انسحاب واشنطن من الاتفاقيات الدولية، فملأت الفراغ الدبلوماسي وقدمت نفسها كقوة استقرار في عالم يبحث عن مرجعية. فالتنمر الأمريكي على الأصدقاء قبل الأعداء يعزل الولايات المتحدة شيئا فشيئا ما يشي بتدشين مسار يسمح للصين بالصعود من دون مضايقات كبيرة. الأهم أن ترامب، بسلوكه التصادمي مع الحلفاء الأوروبيين والآسيويين، ساهم دون قصد في تفكيك الجبهة الغربية الموحدة في مواجهة الصين، ما منح بكين هامش مناورة أوسع لإعادة تشكيل توازنات القوة العالمية بهدوء وصبر استراتيجي.
3. إسرائيل
كانت إسرائيل الرابح السياسي الأكبر من سياسات ترامب، إذ انتقلت العلاقة من شراكة استراتيجية تقليدية إلى انحياز أيديولوجي كامل. الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة شكلا ضربة مباشرة لمرجعيات القانون الدولي، بينما وفرت شرعنة الاستيطان غطاءً رسميًا لسياسة فرض الأمر الواقع. في المقابل، جرى تفريغ مفهوم حل الدولتين من محتواه وتحويل عملية السلام إلى خطاب دعائي بلا مضمون سياسي حقيقي. وبهذا لم تمنح إسرائيل فقط مكاسب رمزية، بل حررت عمليًا من كلفة الاحتلال سياسيًا وأخلاقيًا ما شجعها على تعميق سياسات الضم والتوسع وإدامة الصراع بدل تسويته.
4. اليمين الشعبوي الأوروبي
خطاب ترامب منح هذه التيارات شرعية دولية، ورفع منسوب العداء للمؤسسات الأوروبية، وفتح المجال أمام قوميات متطرفة تعيش على خطاب الخوف والكراهية. والراهن أن خطاباته لم تبق حبيسة الداخل الأمريكي، بل تحولت إلى رافعة سياسية عابرة للأطلسي دعمت صعود اليمين المتطرف في أوروبا. فعندما يهاجم رئيس أمريكي الناتو، ويسخر من الاتحاد الأوروبي، ويشيطن الهجرة، فإنه يمنح هذه التيارات غطاءً دوليًا غير مسبوق. وبهذا ارتفع منسوب العداء للمؤسسات الأوروبية الجامعة، وتآكلت الثقة في مشروع التكامل، وتوسع خطاب القومية الإقصائية الذي يتغذى على الخوف من الآخر، وصناعة الأعداء الوهميين، وتوظيف الأزمات الاقتصادية والأمنية لتحويل الغضب الشعبي إلى رأس مال انتخابي. النتيجة لم تكن استعادة السيادة كما يروج، بل تفكيك الداخل الأوروبي من الداخل وإضعاف قدرته على الفعل الدولي الموحد.
5. قوى إقليمية انتهازية
أنظمة أعادت تعريف السياسة كصفقة تجارية: الولاء مقابل الحماية، والمال مقابل النفوذ، بعيدًا عن القانون الدولي أو القيم. فسياسات ترامب القائمة على منطق الصفقة شجعت بعض الأنظمة الإقليمية على إعادة تعريف السياسة الخارجية بمنطق السوق لا الدولة، بمعنى الولاء مقابل الحماية، والتمويل مقابل الغطاء السياسي. لم يعد الالتزام بالقانون الدولي أو الشرعية الأممية معيارًا للسلوك، بل مقدار ما تدفعه الدولة أو ما تقدمه من خدمات استراتيجية لواشنطن. في هذا المناخ تحول الأمن إلى سلعة، والتحالف إلى عقد مؤقت، والسيادة إلى ورقة تفاوض. فهناك دول سارعت إلى شراء النفوذ عبر صفقات السلاح، أو التموضع في محاور جديدة، أو تقديم تنازلات سياسية مقابل صمت أمريكي عن ملفات حقوق الإنسان والحروب الإقليمية. النتيجة هي تعميق الاستقطاب، إطالة أمد النزاعات، وتحويل المنطقة إلى ساحة مزادات سياسية بدل أن تكون فضاءً للاستقرار. والمفارقة أن هذا النموذج لا ينتج سلامًا ولا شراكات دائمة، بل أنظمة هشة تعتمد على الخارج، وتنهار سريعًا عند أول تبدل في ميزان القوة.
بكلمة، لا يبنى ترامب نظامًا جديدًا، بل يفكك القديم، والمستفيد الحقيقي هو كل من يتغذى على الفوضى، ويزدهر في عالم بلا قواعد ولا محاسبة.
مقابل ذلك هناك خمسة خاسرون.
إذا كان مشهد ترامب قد أنتج رابحين واضحين، فقد صنع في المقابل قائمة خاسرين أوسع وأعمق، لأن الفوضى لا تدار بلا ثمن. أبرز الخاسرين هم:
1. الاتحاد الأوروبي
الخاسر الأكبر استراتيجيًا إذ تعرض مشروع الوحدة لضربات متتالية، فاهتزت الثقة بالمظلة الأمنية الأمريكية، وتفاقمت الانقسامات الداخلية بين الشرق والغرب، وبين الشعبويين والمؤسسات. وهكذا تجد أوروبا نفسها عالقة بين الاعتماد الأمني على واشنطن والضغط الروسي والصيني دون أدوات ردع مستقلة كافية.
2. النظام الليبرالي الدولي
القواعد التي حكمت التجارة، المناخ، القانون الدولي، وحقوق الإنسان تآكلت. انسحابات ترامب من الاتفاقيات الدولية أضعفت فكرة التعددية، وحولت السياسة العالمية إلى ساحة صفقات بدل منظومة قواعد.
3. حلفاء أمريكا التقليديون
اليابان، كوريا الجنوبية، دول الناتو، ودول الخليج واجهت واقعًا جديدًا: الحماية لم تعد مضمونة، والتحالفات باتت مشروطة ومؤقتة. هذا خلق حالة عدم يقين استراتيجي غير مسبوقة.
4. الشعوب في مناطق الصراع
الفلسطينيون، اليمنيون، السوريون، والأوكرانيون دفعوا ثمن سياسة القوة العارية، حيث تراجع منطق الحلول السياسية لصالح إدارة الأزمات بالقوة والسلاح.
5. صورة أمريكا نفسها
أضعف ترامب القوة الناعمة الأمريكية، وضرب مصداقية واشنطن كقائد للنظام الدولي. فأمريكا لم تخسر نفوذها فقط، بل خسرت ثقة حلفائها واحترام خصومها في آن واحد.
الخلاصة أن ترامب لم ينتج نظامًا جديدًا، بل وسع دائرة الخسائر.
أوروبا اهتزت،
التعددية تآكلت،
الحلفاء تاهوا،
الشعوب دفعت الثمن،
وصورة أمريكا تراجعت.
هكذا تدار الفوضى، أرباح قصيرة المدى، مقابل تآكل طويل الأمد للاستقرار الدولي والنظام العالمي.
